الذين أسسوا الشريعة ( التشريع ) ورسّخوا أسسها وقعدوا قواعدها وأقاموا بنيانها هذا الشامخ الذي يعترف بسموّه وسموقه وشموخه المناوئ قبل المعاضد والمعارض قبل المؤيد والخصم قبل المدافع والعدو قبل الحبيب والشانئ قبل الصديق ذلك أنهم أزالوا ما في النصوص من شوائب وطهروها مما بها من معضلات وحلوا ما يعتورها من مشكلات ورفعوا ما بها من مطاعن والذي لا يماري فيه إلا الشكس ولا يجادل فيه إلا العنيد ولا ينكره إلا اللجوج أن امتزاج الشعوب ذات الأعراق المختلفة مثل العرب والفرس والهنود والأفغان وبلاد ما وراء النهر والمصريين والبربر وأبناء شبه جزيرة أيبيريا والأفارقة والآسيويين تحت راية الحضارة الإسلامية هذا المزج أفرز فقهاء أعاظم هم الذين قاموا بالدور المعجب الذي ذكرناه .
ونعود أدراجنا إلى السياق : يرى الباحث أن القصص القرآني نزل لخدمة الدعوة الإسلامية وشرح المبادئ وتوضيح العقائد والدفاع عن النبي العربي والقرآن الكريم وإذ - كما سبق ذكرنا - استطال عمر دعوة الإسلام ودرج القرآن على التدرّج في التشريع . ومرة أخرى أسقط المؤلف من حسابه العقائد والمبادئ وبذلك يكون قد رجع إلى الصواب . إذن من البديهي أن يأتي القص القرآني متطورا . . . لما ذا ؟
لأن القصة من الحتم اللازم أن تغدو صورة لدعوة الإسلام وتعبّر عن آراء وأفكار البيئة - ونحن نرى من جانبنا أنها لفتة ذكية من خلف اللّه فضلا عن اتسامها بالجرأة البالغة التي لا نملك إلا أن نحييه بشأنها - كما ترسم بدقة حركات العداء والسلام وتدافع عن النبي عليه السلام ولدعوته وتثبيتها والتمكين لها في قلوب المخاطبين .
ومن هنا يصح القول إن القصص القرآني يتطور من حيث الموضوعات والأفكار والآراء نزولا على قاعدة التدرّج هذه وهو ما يسميه التطوّر الداخلي لأحد العناصر وقد تأثر بذلك البناء وتوزيع العناصر وأوليات القص القرآني التي بدأت بخبر عادي يصوّر إما حالة أو موقفا أو حادثة ويسوق أمثلة عليها .
وفي فجر الدعوة أي في بدايات النزول كانت الغاية زلزلة المشركين وتقويض عنادهم وزعزعة مقاومتهم . . . وانعكس ذلك على القصص التي نزلت آنذاك ومن ثم جاءت تصوّر الكوارث والبلايا والمصائب التي ألّت بمن كذبوا برسلهم مثل عاد وثمود وتتميز بجرس قوي يتناسب ورسم تلك اللوحات المفزعة .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 486
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٨٦