والذي لا شك فيه وبعيدا عن عواطف الأسى وشعور الخيبة وإحساس الإحباط فإن خلف اللّه قد أضاع فرصة عمره ليغدو رائدا لنقد الفكر الديني وقائدا لكتيبة البحث الحر في الجذور العميقة التي تتمحور عليها العقيدة . بيد أن هناك عذرا قد ينتصب له لأنه لو فعل ذلك لازدادت الثورة عليه اشتعالا ولتضاعف أوار النقمة عليه . إنما هناك من البحّاث من لا يأبه لذلك في سبيل العلم وخاصة في الرسائل الجامعية والأطروحات الأكاديمية .
في رده على المستشرقين والمبشّرين في ادعائهم بأن في القرآن مخالفات تاريخية وأنه من ثم فهو من عند محمد أنهم يعلّلون المخالفات بأن ( محمدا ) كان يتعلم الأخبار من العبدان والأرقاء خدمة صناديد قريش وأن المستشرقين تناسوا أن لسان هؤلاء أعجمي والقرآن جاء بلسان عربي مبين وأنهم لفقرهم عجزوا عن الحصول على نسخ مكتوبة من الإنجيل والتوراة وبذلك كانت معارفهم تتأسس على الشائعات ووسيلتها المشافهة التي هي دائما عرضة للتبديل والتحوير والتغيير والزيادة والنقصان والحذف والإضافة . ولقائل أن يفند ردود خلف اللّه بما يأتي :
إن المستشرقين وأضرابهم من الحاقدين على الإسلام وكتابه ونبيه لم يقصروا زعمهم على لقاء محمد بالعبدان والأرقاء الأعاجم خدام سادة قريش بل أضافوا إليهم عددا من رجال الدين المسيحي أو العلماء في هذه الديانة أو على الأقل ممّن قرءوا ودرسوا العهدين القديم والجديد منهم بحيرا ونسطور وعدّاس والأخطر فيهم جميعا القس ورقة بن نوفل ابن عم الطاهرة أم هند خديجة أولى وأهم زوجات محمد والذي استمر تماسه بمحمد من لحظة زواجه بها حتى وقوع تجربة غار حراء بل وبعدها ومن الثابت الذي لا ذرة فيه من ريب أن ورقة كان يعرف العبرية وكان يترجم الكتاب المقدس أو أجزاء منه ربما التي تحوي القصص إلى العربية . وهؤلاء بحيرا ونسطور وعدّاس وورقة وردت أسماؤهم ولقاءاتهم بمحمد في أهم كتب السيرة المحمدية التي تلقّتها أمة لا إله إلا اللّه بالتجلة التي تقارب تخوم التقديس وفي طليعتها سيرة ابن هشام والسيرة الحلبية والسيرة الشامية إلخ . إذن لم يكن لقاء محمد - في زعم المبشّرين والمستشرقين - مقصورا على العبيد والأرقاء فلما ذا تغاضى خلف اللّه عن هؤلاء إما أنه كان لا يعرف هذا الأمر وهذا ما نهزّله ( من الهزال ) ونضمّره
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 458
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٥٨