على الناس بفكرة هشة لم يدعمها بمنهج علمي محبوك أو حتى بمنهج فطير ( غير ناضج ) لما حرّك لهم ساكنا بل ربما دفعهم ذلك إلى السخرية والاستهزاء وبضاعتهم في هذين الضربين وفيرة وزادهم منهما كبير ، يشهد على ذلك تاريخهم الفكري هذا إن صحّ تسمية ما يدلقونه من آراء فكرا .
لو أن خلف اللّه قدّم ما قدّم في كتابه هذا الرائع المعجب بعبارات إنشائية وجمل خطابية لما شاهدنا خصومه في الرأي آنذاك ، بل وحتى الآن يلفون حول أنفسهم ويكلّمونها شأن المتغبّط المفروس . . . ولكن لأنه قدّم الدليل إثر الدليل والحجة بعد الحجة والبرهان عقب البرهان مما ألقمهم حجرا وراء حجر فقد فقدوا صوابهم وطاشت أحلامهم وخفّت عقولهم وسلكوا مسالك لا تليق .
أما عن الصفة الأخرى وهي الأصالة فلقد أثبت خلف اللّه أن فكرته ليست مبتدعة وأن عددا من علماء اللغة أشار إليها وألمح إلى فحواها . ولكنهم توقّفوا في أول الطريق فجاء هو وأكمل المسيرة وأتمّ الشوط إنما بطريقة تقطع بالأستاذية والتمكّن والتعمّق والثراء الفكري والخصوبة الثقافية . وهذا جميعه يجعل تقويم هذا المؤلّف ( بفتح اللام ) للقارئ مهمة عسرة أشد ما يكون العسر ثقيلة أوعر ما يجيء الثقل ، فادحة أوفر ما تغدو الفداحة .
أما عن الجانب الثالث أو الأخير : فهو المؤلّف .
الذي أثبت منذ ( الفن القصصي ) وهو رسالته للدكتوراه أنه مفكّر عميق جمع من العلوم الإسلامية أشتاتا بمقدرة ومهارة وفي مقدّمها علوم اللغة وتفسير القرآن وتتّضح إحاطته بهما إحاطة نادرة في كل صفحة من صفحاته .
ولم تكن أطروحة ( الفن القصصي ) بالنسبة له هي بيضة الديك شأن سواه بل ظلّ يواصل العطاء أكثر ، ومثل هذا المصنّف ( بكسر النون ) من أصعب الأمور أن تتحدّث عنه - دعك من أن توفيه حقّه من التقدير - ومما يضاعف الصعوبة أنه لم ينل ما هو جدير به من مكانة حتى بعد وفاته إلى رحمة اللّه - فلم تشرع أقلام في تقييم فكره أو عرض مؤلفاته ورفع الحجاب عما فيها من أصالة وجدّة معا ومما يؤسف له أن من هم أقصر قامة من خلف
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 366
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٣٦٦