تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ * قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ * قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
« 1 » . فهنا كما ترى بعد حذفنا للعنصر القصصي الخاص بأحداث الطوفان تجد العناصر القصصية الباقية تصوّر الحالة العربية في زمن النبي عليه السلام وموقفه منها . ونستطيع أن نهمل شرح كونه نذيرا وأنه بشر وأن الذين اتّبعوه هم الأراذل ، وأنه لن يطردهم ، وأن أجره على اللّه ، وأنه لا يطلب منهم مالا فتلك عناصر قد تكررت . وتبقى بعد ذلك أمور دالة ، منها البيّنة ، تلك التي عميت عليهم والتي لا يريد أن يلزمهم بها وهم كارهون . أليست هذه هي الحال المشابهة تماما لحال النبي عليه السلام حين طلبوا منه الآيات البيّنة على صدق الرسالة وصحة الدعوة ، والتي كان يجيب القرآن عليها بمختلف الإجابات . ولقد كان من أوضح إجاباته تلك التي وردت في سورة العنكبوت من قوله تعالى
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
« 2 » . ومنها أنه لا يدّعي أنه يملك خزائن اللّه أو يدّعي علم الغيب أو يقول إنه ملك . ومنها ذلك التحدي القائم على تكذيبه بأن يأتيهم بالعذاب إن كان صادقا فيما يذهب إليه . ومنها مسألة الافتراء ، وهي من غير شك التفاتة إلى الأمور المعاصرة فما تعلم أن نوحا قد نزل عليه كتاب . ولعل هذا هو الذي دفع بعض المفسّرين إلى القول بأن هذه الآية ليست من قصة نوح وأنها خاصة بمحمد عليه السلام . ومنها تلك السخرية التي يقومون بها حين يمرون عليه وهو يصنع الفلك . ونستطيع أن نضيف إلى الأمور السابقة موقف ابنه منه ، وما كان من فرقة دينية بينهما كما نستطيع أن نضم إلى ذلك موقف زوجته منه فهي الأمور التي تمثل الوضع العربي ، وإن مثّلته على أنه القاعدة العامة أو الناموس النفسي الذي لا يتخلّف . وقد أشرنا
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآيات 25 - 48 . ( 2 ) سورة العنكبوت ، الآيتان 50 - 51 .