عندها المفسّرون ، ثم تعمد في النهاية إلى رد جميع الاعتراضات التي يتقدم بها المستشرقون والمبشّرون ، ومن لف لفهم أو نحا نحوهم من الزنادقة والملاحدة ، وكل طاعن على النبي ، أو في القرآن الكريم .
وتفسير موقف المشركين يقوم على ذلك الأساس الذي قال به الرازي ثم النيسابوري عند تفسير كل منهم للآية الكريمة
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
« 1 » من سورة يونس ، وهو الأساس الذي يقول بأن هؤلاء الكفرة قد نظروا من القصة إلى هيكلها ، ومن الحكاية إلى جسمها ، ولم ينظروا منها إلى الجوهر : إلى التوجيهات الدينية والخلقية وإلى الأسس النفسية والنواميس الاجتماعية . ولو أنهم نظروا هذه النظرة الأخيرة ، لما وقفوا عند الأحداث والأخبار من حيث هي تاريخ ، ولما دفعت بهم هذه الوقفة إلى القول بأن القرآن أساطير الأولين ، ولما عارضوا القرآن حين عارضوه بالقصص التاريخي ، قصص رستم واسفنديار وملوك الفرس ، ولعرفوا في النهاية أن القصص القرآني لا يقصد إلا إلى التوجيهات الدينية والخلقية ، وإلى تقرير الدعوة الإسلامية ، وإقامة هذا التقرير على الأسس النفسية والنواميس الاجتماعية ، وعند ذلك كانوا يعترفون حتما بأنه وحي وأنه تنزيل الحكيم الحميد .
وحل مشكلات المفسّرين يقوم على ذلك المذهب الذي لفت الأستاذ الإمام إليه الذهن عند تفسيره لقصص آدم وهاروت وماروت من سورة البقرة ، وهو المذهب الذي يقرر بأن القصص القرآني يصح أن يفهم فهما أدبيا بلاغيا ، وأنه لا يجوز أن يفهم فهما تاريخيا ، ولقد كان المفسّرون يذهبون هذا المذهب في كثير من المواقف ، وكانت المشكلات تحل عندهم في هذا الأساس ، ومن ذلك تفسيرهم لقصة داود والملكين من سورة ص ، وتفسيرهم لقول اليهود عن عيسى إنه رسول اللّه ، وغير هذين مما سبق أن ذكرناه .
أما الرد على الملاحدة والزنادقة ، وعلى المستشرقين والمبشّرين فيقوم على أساس أن القرآن الكريم كان يقيم بناء القصة على ما يعتقده المخاطب ، وعلى ما تتصوّره الجماعة من
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية 39 .