على أننا نلحظ هنا عناصر أخرى غير السابقة هي عدم سؤالهم الأجر ثم إعلانه لهم بأنه أمر أن يكون من المسلمين . وليس من شك عندي في أن هذه التفاتة من القرآن واضحة صريحة نحو الدعوة الإسلامية وأن إبراهيم قد جاء بعد نوح في الترتيب الزمني حتى في القرآن .
ولم يبق من هذه المجموعة غير قصة نوح في سورة الشعراء ، وهي تمثّل عناصر مختلفة من الدعوة الإسلامية . يقول اللّه تعالى
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ * قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 1 » .
فهنا نلحظ غير ما تقدّم في القصص السابقة التهديد والوعيد وأنهم سيرجمونه إن لم ينته عما يقول أو عن دعوتهم للدين الجديد كما نلحظ عنصرا آخر هو الحديث عن الأراذل ، وعن أنهم العقبة الوحيدة في سبيل دخولهم إلى الدين الجديد ، وأنهم من أجل ذلك يطلبون إليه أن يطردهم ولكن أنى له أن يبعد عنه الأنصار والأعوان ، وليس من عمله إلا الإنذار أما ما عدا ذلك من ثواب أو عقاب فأمر يملكه الواحد القهار .
وأظنك لست في حاجة إلى أن أدلّك على أن هذا الصنيع بعينه هو الذي كان من الأغنياء ومن مشركي قريش ، وأنه الذي من أجله نزلت بعض آيات القرآن
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
« 2 » .
وننتقل إلى قصص المجموعة الثانية ، وهي القصص التي يراد بها إلى التنفيس فنجد
هامش
( 1 ) سورة الشعراء ، الآيات 105 - 118 .
( 2 ) سورة الأنعام ، الآية 52 .