تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ * فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ * قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ
« 1 » . فنحن نلحظ من هاتين القصتين أن عناصرهما تصوّر الحياة العربية المعاصرة للنبي عليه السلام ونزول القرآن . فهم يرونه في ضلال ويرون به جنة ويعتقدون أن لو شاء اللّه لأنزل ملكا فما سمعوا من قبل بأن الرسول يكون من البشر وليست المسألة إلا أنه واحد منهم يريد أن يتفضل عليهم . وكل هذه الأشياء هي التي حدثت في البيئة العربية بين العرب وبين النبي عليه السلام . والذي يصح أن نلفت إليه الذهن في هذا المقام هو أن الضيق بالرسول قد بدأ يستقر في نفس الجماعة ، وأن الرغبة في التخلّص منه قد أفصحت عن نفسها ولكنها رغبة لينة لم تستكمل عناصر القوة بعد ، ولذا فهي تكتفي بالتربّص . وليس ذلك إلا ما ذكره القرآن عن نبيّنا عليه السلام . قال اللّه تعالى
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
« 2 » . وننتقل بعد ذلك إلى القصة في سورة يونس فنرى الضيق قد بدأ يشتد ؛ والرغبة في التخلّص منه قد أخذت تقوى ، وهو لا يزال قوي العاطفة رابط الجأش يعتمد على ربه في الصغيرة والكبيرة من أمره . ثم هو في الوقت نفسه حريص عليهم شديد الرغبة في هدايتهم يظهر شيئا من الحنان نحوهم . يقول اللّه تعالى
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون ، الآيات 23 - 26 . ( 2 ) سورة الطور ، الآيات 29 - 31 . ( 3 ) سورة يونس ، الآيتان 71 - 72 .