واحتال يوسف عليهم مرة ثانية حين جعل السقاية في رحل أخيه وحين أذّن المؤذّن بأنهم سارقون ، وحين سألهم عن جزاء السارق ، فقد كان هذا الجزاء هو كل ما يطلب يوسف وما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء اللّه . ويحاول هؤلاء الإخوة دفع أحدهم مكان السارق ويأبى يوسف ويستعيذ باللّه أن يكون من الظالمين ويرحل الإخوة ويبقى كبيرهم فلن يبرح الأرض حتى يأذن له أبوه أو يحكم اللّه . ويطلب إليهم أن يخبروا أباهم بكل ما حدث ، وأن يدفعوه إلى السؤال عن صحة الحادثة بسؤاله أهل القرية التي كانوا فيها ، أو العير التي أقبلوا فيها ، وهنا تعاود الرجل أفكاره السابقة ويخبرهم بأن قد سوّلت لهم أنفسهم أمرا ؛ ويستسلم للقدر كما استسلم له أولا ويصبر ذلك الصبر الجميل الذي يحوطه الأمل بأن اللّه سيأتيه بهم جميعا .
وتغشى الرجل سحابة حزن قاتمة حتى ليكاد أن يكون من الهالكين . وتطوف بنفسه خواطر ملهمة فيدفع أبناءه إلى الذهاب للتحسّس من يوسف وأخيه ويطلب إليهم ألا ييأسوا من روح اللّه فإنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون . ويذهب هؤلاء ويلتقون بيوسف للمرة الثالثة وهنا يعيد إلى أذهانهم ما ألمّ به من حيل المكر والكيد ، ويسألهم عن فعلتهم التي فعلوها وهم جاهلون . ويعرف القوم الحقيقة ويسألونه عن نفسه فيقدّم لهم نفسه وأخاه وينبئهم بأن ذلك جزاء الصبر والتقوى وأن اللّه لا يضيع أجر المحسنين ويعترفون بالخطيئة ويعترفون له بالفضل وإيثار اللّه له عليهم . ويحس يوسف بما في أنفسهم من إحساس باللوم والتعنيف فيخفّف وقع ذلك عليهم فلا تثريب عليهم . اليوم يغفر اللّه لهم وهو أرحم الراحمين .
ويعود الإخوة بقميص يوسف ويلقونه على وجه أبيهم فيرتد إليه البصر ويقبل الأب والأبناء ويستقبلهم يوسف استقبال الابن البار والأخ العطوف ويفيض الحنان من قلبه ، وتجري عبارات الشكر على لسانه ويذكّر أباه بما كان بينه وبينه من حديث
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي