ذلك أيضا أن القرآن كان لا يساير نفسية المتحاورين بقدر ما يساير نفسية محمد عليه السلام ونفسية معاصريه ، ومن هنا خضع أسلوب القصص لتلك المميّزات العامة المعروفة عن أسلوب القرآن في عهديه المكي والمدني .
( 2 ) يلاحظ أنه في القصص الذي نزل أولا ، كان يعتمد على الرنين الصوتي للألفاظ ، يعاونه في ذلك الفقرات القصيرة المسجوعة ، وذلك لأن عاطفة النبي عليه السلام كانت في ذلك الطور قوية جياشة مندفعة ، ومن هنا كانت الانتقالات الفجائية السريعة التي تظهر في القصة الواحدة ، والتي تظهر في مجموعة القصص الواردة في سورة واحدة ، ولذا كان القصص قصيرا جدا في هذه الفترة ، ويمثل هذه السمات قصص سورة القمر .
( 3 ) يلاحظ في القصص الذي يوضح العقائد الجديدة ، ويحاول أن يهدم القديمة أن السخرية بالأفكار والعقائد تدخل فيه كعنصر فني ، وهي سخرية مرة نافذة ، إذ تحاول أن تضع الحقائق الواضحة المتميزة أمام كل ذي عينين ليستفيق من غشيته ، وليحس إحساسا قويا بما هو فيه من ضلال ، وذلك الأمر يمثله قصص إبراهيم عن عبادة الأوثان ، خاصة في سورتي مريم والشعراء .
كما يلاحظ في هذا الجزء شيء من هدوء العاطفة عند الرسول ، ونلمس ما تحمل الألفاظ من حنان حتى ليشعر القارئ أو السامع أنه في كنف شخص عظيم يظله برعايته ويحاول أن يصرف عنه القسوة والعذاب ، ويمثل هذا اللون قصص هود وصالح وشعيب من سورة الأعراف كما يمثله قصة إبراهيم في سورة مريم .
( 4 ) في القصص الذي يأتي للتنفيس والإفاضة تكون العواطف جياشة قوية ، وإن تكن أميل إلى الاستسلام ، وذلك هو الأمر الذي تدفع إليه العلاقة القائمة بين الرسل والأقوام . ومن هنا تأتي الألفاظ هيّنة مسترسلة لتجري مع طبيعة العاطفة وما فيها من يأس واستسلام . ومن هنا نلحظ من حين لآخر وجود العنصر الفني الديني الذي أسميناه فيما يأتي بالمناجاة ، وهي عبارات أصبحت تقليدية في بعض الأدعية الدينية .
وهنا قد نلاحظ اختلافا في العاطفة بين المتحاورين ، فيبقى المستكبرون على ما عرف عنهم من قسوة وجبروت ، ويمضي الأنبياء بين بين وإن غلبت المسالمة ، وذلك لما يكمن في قلوبهم من محبة الأهل والعشيرة ، ولما يبلغونه من انتصار الدين ، ولما يرجونه من
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 324
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٣٢٤