هو في بيتها عن نفسه فتتنازعه العواطف ، ولكنه يكبت غرائزه ويميت شهواته لينتصر ما في قلبه من حب للخير وصدق في العهد وإيمان بحق البيت وحرمته . ويتكرر الموقف ويحس الفتى بما في نفسه من نزعات بشرية ويخيّر فيختار . يخيّر بين السجن أو التورّط في الإثم فيقول
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
« 1 » وإلا كانت الصبوة وكان الجهل والهلاك .
ويوسف رجل متدين ، قد أوتي العلم والحكمة وتفسير الأحلام ، ثم هو رجل محظوظ يدخل السجن فيدخل معه من القصر فتيان ، ويطلبان إليه تفسير الرؤى ويحاول أن يفيدهم فيعقد بينه وبينهم عواطف الإلف والمحبة ويدعوهم إلى عبادة الواحد الديان ، ويطلب إلى واحد منهم ، بعد تفسيره الرؤيا ، أن يذكره عند ربه ولكن الزمن قد مضى دون ذكر أو انتباه . ويرى الملك رؤياه ، ويسعف الحظ يوسف فتتحول نحوه الأبصار والأسماع ، ويحرص يوسف على إزالة ما علق بسمعته من أدران وأقذار ، وتعاد المسألة مرة ثانية بين يدي الحاكم ، وهو في هذه المرة رب البلاد وينتصر يوسف ويعرفه الملك فيختاره لنفسه ، ويطلب منه يوسف أن يجعله على خزائن البلاد ، ويستجيب الملك ويتصرف في خزائن الأرض فينقذ البلاد وما جاورها من بلاء وأي بلاء .
ويوسف رجل حريص نهاز للفرص يحضر إليه إخوته فيعرفهم ويذكر ما كان بينهم وبينه من كيد ومكر ، ويحاول أن يحتال عليهم ويسعفه من طبعه الفطنة فيطلب إليهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم ، وبعدئذ يتحقق القصد حيث يكيد لهم بأن يجعل السقاية في رحل أخيه ، ويبدأ بأوعيتهم قبل وعائه ، ويرى القوم الواقعة ، ولا يفطنون إلى الحيلة فيذكرون ما كان بينهم وبين أبيهم من عهد وحرص على الوفاء ، وينتهي الأمر إلى المصارحة وإلى استحضار أبويه وأهله من بادية الشام .
ويستقبل يوسف أباه بما في نفسه من عواطف البر والحنان وعواطف التقى والإيمان ويرفع يوسف أبويه على العرش ويتوجه إلى ربه بالدعاء والابتهال .
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية 33 .