ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
« 1 » وإن موسى عليه السلام في أكثر الأمر لا يعوّل إلا على دلائل إبراهيم عليه السلام . وقال عند تفسيره لقوله تعالى :
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
« 2 » ما يأتي : أما قوله
عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
« 3 » ، وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاما في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرّع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام ، وهكذا الخلف الصادق للسلف الصالح صلوات اللّه عليهم .
ولا نريد أن نعلّل المشابهة بما علّلها به الرازي من أن موسى يعوّل على دلائل جده ، وأن تلك سنة السلف الصالح ، وإنما نذهب إلى شيء آخر هو أن تلك المشابهة قامت لأن تلك الدلائل التي يرمي إليها القرآن لتقرير الدعوة وهدم الأوثان ، وإن الظروف المحيطة بالنبي العربي هي التي كانت السبب في أن ينزل القرآن بمثل هذه الآيات . وسنشرح المسألة بتفصيل عند حديثنا عن القصص القرآني ونفسية النبي العربي إن شاء اللّه .
ونستطيع أن نقول إن شخصيات الرجال في القصص القرآني تتميز بالأحداث التاريخية المعروفة ولا تتميز بالصفات المعنوية من خلق ومزاج ، وإنا لو حاولنا فهم ما يعرض لكل منهم من انفعالات نفسية وتأثّرات عاطفية فلا بد لنا من فهم الظروف المحيطة بالنبي العربي ، والعوامل المؤثّرة في الدعوة الإسلامية إذ هي التي تفصح لنا عن المواقف التي توضح لنا شخصية البطل وتجلّي صورته . وهذا هو الذي يتمشى مع القصد العام لهذا اللون من القصص وهو التنفيس وتخفيف الضغط العاطفي وإنه ليتحقق كل هذا ولا بد وأن تتشابه المواقف وتتماثل الظروف .
وإذا أردنا أن نختار إحدى الشخصيات لندرسها ونوضح صورتها فلن نجد خيرا من شخصية يوسف . ذلك لأنها شخصية فنية واضحة الصورة ، بارزة المعالم
هامش
( 1 ) سورة مريم ، الآية 42 .
( 2 ) سورة القصص ، الآية 22 .
( 3 ) سورة الصافات ، الآية 99 .