تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ * قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ . . .
« 1 » إلخ . فالهدهد هنا يقظ متنبّه لكل ما يدور من الملكة وقومها من الناحية الدينية وهو يعجب من عبادتها للشمس وسجودها لها من دون اللّه ويرى أن الشيطان هو الذي زيّن لها هذا العمل وصدّها وقومها عن السبيل ، بل يمضي إلى أبعد من هذا فيلفت الذهن إلى الأسباب التي تدفع إلى عبادة اللّه من إخراجه الخبء ومن علمه بما يخفي الناس وما يعلنون . وهذا الموقف من الهدهد هو الذي أوقع الرازي وغيره من المفسّرين في حيرة فقد نالهم العجب من صنع الهدهد الذي يدل على رجاحة عقله ونفاذ بصيرته وفهمه الأمور وفطنته إلى ما لم يفطن إليه سليمان . يقول الرازي في تفسيره للقصة : البحث الأول إن الملحدة طعنت في هذا القصة من وجوه . . . وثالثها كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان وأنه - عليه السلام - كان ملك الدنيا بالكلية . . . ومن أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام . رابعا من أين حصل للهدهد معرفة اللّه تعالى ووجوب السجود له وإنكارهم سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه . ولو أن هؤلاء درسوا المسألة على أساس من الخلق الفني للشخصيات ، وأنها ما وجدت إلا لتؤدي أدوارها في القصة لما وقعوا في تلك الحيرة ، ولما كان دفاع واتهام . على أن المسألة قد تحتاج ، من الجانب الفني ، إلى شيء من الإيضاح فنقول نلحظ في القصص الحديث أن بعض الأدوار الرئيسية في القصة تسند إلى الحيوانات ويكون الحيوان في مثل هذا القصص هو الشخصية الرئيسية التي تتوجه نحوها الأنظار وتلتفت إليها القلوب والأسماع . ولعلنا لم ننس بعد شخصية « لاسي » ذلك الكلب الذي يضطلع
هامش
( 1 ) سورة النمل ، الآيات 20 - 29 .