العنصر الجديد القوي هو عنصر الحوار . ونلحظ أن موضوع هذا الحوار هو الأمور التي كانت تشغل الذهن العربي وقت إرسال محمد عليه السلام ونزول القرآن الكريم كما نلحظ أن الحالة الموصوفة من فرقة وانقسام وصد الناس عن سبيل اللّه أو اتباع النبي إنما هي بعينها التي كانت تعانيها الجزيرة العربية في ذلك الوقت بالذات .
وإذا ما انتقلنا إلى قصة النمل وهي :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ * قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
« 1 » تبيّن لنا إلى أي حد كان القصص يجاري الدعوة الإسلامية ويتغذى بلبانها ، إذ نلحظ هنا عنصرا جديدا هو عنصر الغرائز والعواطف وعنصر القضاء والقدر فقد بلغ الضيق حدّه بعد إذ تجاوزت الخصومة منتهاها وتطيّر القوم برسولهم إذ أصبح نذير فرقة وانقسام وكذب القوم الرسول وتحدّوه ، فلم تأتهم البيّنة ولم ينزل بهم العذاب وإذا فليس هناك سوى طريق واحدة هي طريق الاغتيال ، ومن هنا كانت المؤامرة التي يراد بها القضاء على الرسول وكان المتآمرون
تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
. وهنا يتدخل القدر فينجو النبي عليه السلام ويحل بقومه العذاب .
وهكذا نستطيع المضي في التدليل على الصلة بين الأثر الفني والبيئة أو بين الدعوة الإسلامية وقصص القرآن ، وأن توزيع العناصر كان يتبع هذه الظروف في كل قصة . ولكنا نكتفي بهذا القدر ونبدأ فنستعرض العناصر في القصص القرآني كله ونترك الحديث عن توزيعها في القصة الواحدة إلى تحليلنا لقصة يوسف في فصل تطوّر القصة في القرآن .
ونبدأ فنعترف بأنا سنهمل الحديث عن الموضوعات من أفكار وآراء . فقد سبق أن
هامش
( 1 ) سورة النمل ، الآيات 45 - 53 .