فهنا قصة لها قيمتها الأدبية ولو حاول النبي عليه السلام تصوير حاله في قصة لما صوّرها بقصة أحسن مما اختار له الخالق سبحانه .
والتشابه هنا تام بين حالة نوح في القصة وحالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، نلحظه في عناصر الدعوة من عبادة اللّه وطاعته كما نلحظه في طريقة الدعوة من حيث الجهر والإسرار . وفي مقابلة القوم لنبي اللّه ودعوته بالنفور والفرار ثم بالاستكبار وجعل الأصابع في الآذان . ثم في الأشياء التي رغب بها في الإيمان من الإمداد بالمال والبنين والأنهار والجنات . ثم في الأشياء التي تلفتهم إلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى من خلقهم أطوارا ومن خلق السماوات السبع الطباق ومن جعل القمر نورا والشمس سراجا ومن إنباتهم من الأرض وجعلها بساطا ليسلكوا فيها سبلا فجاجا . ثم في مناجاته لربه تلك المناجاة التي يخبره فيها أنهم اتّبعوا الأغنياء ومن لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا . ثم في تصويره لمكر هؤلاء الأغنياء أو القادة حين طلبوا من قومهم البقاء على ما هم عليه من عبادة للأوثان .
وهنا لا بد من لفت الذهن إلى أن الأوثان هنا هي بعينها تلك التي كانت تعبد في الجزيرة العربية أول عهد الجزيرة بالبعثة وبمحمد عليه السلام هود ، سواع ، يغوث ، يعوق ، نسر .
وأخيرا يكون التشابه أيضا في اتجاهه نحو ربه ودعائه على الكفرة من قومه وطلبه من المولى سبحانه وتعالى أن يستأصل شأفتهم حتى ينجو العالم من شرورهم وآثامهم وحتى لا يبقى إلا من دخل بيته من أهل التقوى والإيمان .
ونعتقد أن هذه القصد من القصص التي كان النبي عليه السلام يجد فيها صدى نفسه وأنها من هذا الجانب كفيلة بأن تزيح عن كاهله بعض الأثقال وأن تزيل عن نفسه بعض الألم وأن ترد إلى نفسه الثقة والطمأنينة حين يرى أنه ليس الواحد الفرد في هذا الميدان .
( 2 ) ويجري مع عملية تخفيف الضغط العاطفي عملية أخرى لا تقل عنها أثرا في حياة الدعوة الإسلامية تلك هي عملية توجيه العواطف القوية الصادقة نحو عقائد الدين
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 233
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٢٣٣