هذه الأمور بالذات هي التي دفعت بالرازي إلى الحيرة وجعلته عاجزا عن فهم الصنيع الأدبي والمقصد القرآني والوقوف على أسرار ما دار هناك وكانت نتيجته إخراج آدم وحواء من الجنان .
يقول رحمه اللّه عند تفسيره للقصة من سورة الأعراف ما يلي : السؤال الثاني أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله .
والجواب لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا كثيرة ورغّبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثّر كلامه في آدم عليه السلام . إذ نلحظ في هذا الموقف من الرازي أنه لا يطمئن إلى قصة دخول إبليس الجنة بعد طرده منها . كما نلحظ أن عقله لم يقبل أيضا قصة الحية ولذا نراه رحمه اللّه يفترض أن إبليس قد لقي آدم مرارا وتحدّث إليه .
على أنّا نجد الرازي في موقف آخر يعجب كثيرا من موقف آدم واستجابته لدعوة إبليس وإهماله لتعاليم ربه وذلك عند تفسيره للقصة من سورة طه إذ نراه يقول : واعلم أن واقعة آدم عجيبة وذلك لأن اللّه تعالى رغّبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله
فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
« 1 » . ورغّبه إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
« 2 » وفي انتظام المعيشة بقوله
وَمُلْكٍ لا يَبْلى
« 3 » فكان الشيء الذي رغّب اللّه آدم فيه هو الذي رغّبه إبليس فيه إلا أن اللّه تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها . ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع عن السجود له وعرض نفسه للّعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بكمال عنوانه له وأعرض عن قول اللّه تعالى مع علمه بأنه الناصر والمربي .
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآيات 117 - 119 .
( 2 ) نفس السورة ، الآية 120 .
( 3 ) نفس السورة والآية .