دامت هذه القصة قد وردت لغرض ومقصد كالتسلية أو التسرية عن النبي عليه السلام وتلك لغرض آخر فهذه قصة وتلك قصة إذ هذا العرض الأدبي لحادث واحد من جوانب مختلفة إنما يكشف عن موضع العبرة وموطن العظة دون قصد إلى تقرير خبر بعينه ومن هنا تكون هذه قصة وتلك قصة وعند ذلك لا تكون هناك مشكلة لأنّا لن نربط بين القصتين حتى يقوم التعارض أو الاختلاف .
وليس من شك في أنك ستذهب معي إلى أنه إذا اختلفت المقاصد القصصية اختلفت الصور المعبّرة وأنه إذا اختلفت الصور المعبّرة كانت هذه قصة وتلك قصة .
وليس من شك في أنك لا تستطيع أن تغلب الاتفاق في الشخصية على بقية العناصر القصصية من إختلاف في المقاصد والأغراض وإختلاف في الصور والألفاظ وإختلاف في النسق والترتيب وإختلاف في فن البناء والتركيب .
وهنا نحس أن الاختلاف القائم على أساس الأحداث أيضا يزول فكون البشارة بالغلام مرة لسارة وأخرى لإبراهيم عليه السلام لا يعتبر من الاختلاف لأن هذه قصة وتلك قصة . وكذلك غير هذا المثال من آيات القصص الذي يتغاير فيه التعبير .
إن هذا الوجه من الرأي يبطل ذلك القول الخاطئ الذي يقول به المستشرقون من تطوّر الشخصية القصصية في القرآن الكريم بتطوّر أغراض النبي عليه السلام ودوافعه والظروف المحيطة به والمناسبات التي تدعوه إلى بعض المواقف . ذلك التطوّر الذي يمثّلون له بما حدث في شخصية إبراهيم عليه السلام « 1 » لأن أساس هذا القول أن الوحدة القصصية تقوم على وحدة الشخصية وهو قول باطل يريحنا منه تقرير أن هذه الوحدة إنما هي وحدة الغرض والعبرة لا وحدة الشخص ومن هنا تكون هذه قصة وتلك قصة وتكون أقاصيص صور العرض باختلاف المقصد والغرض .
وقريب من هذا ذلك الاختلاف الذي يلاحظ في شخصية فرعون من أنه ظهر بمظهر المعبود في قوله تعالى
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
« 2 » وبمظهر العابد في قوله تعالى
هامش
( 1 ) راجع مادة إبراهيم في دائرة المعارف الإسلامية .
( 2 ) سورة القصص ، الآية 38 .