تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
أساس من تاريخ التشريع وهو أن القربان إنما شرّع في بني إسرائيل . أما الاعتراض فيقوم على أساس آخر من تاريخ العادات أو العقل البشري وهو كيف يظل دفن الميت مجهولا حتى يصل الزمن من آدم إلى بني إسرائيل وحتى يقتدي أبناء إسرائيل في ذلك بالغراب . لقد تعارضت النظريات وحاول المفسّر أن يرجّح واحدة . ولو فكّر تفكيرا بلاغيا أدبيا لوضع المسألة وضعا آخر وفكّر فيها على أساس من القريب أن يكون سليما وهو أن القرآن قد جمع بين مواد قصصية متباعدة في الزمن لأنه يقصد التصوير والتمثيل وأنه من أجل ذلك جمع بين تقديم القربان وبين ما ترتّب عليه من حسد وما أدى إليه هذا الحسد من قبل ثم من بعث الغراب ليريه كيف يدفن أخاه . إن المسألة ترجع فيما أعتقد إلى طريقة القرآن في اختيار مواده القصصية وفي عملية الربط بينها تلك العملية التي تقوم على أساس أدبي عاطفي حتى ولو باعد الزمن فيما بينها . ( ب ) إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به مراعاة لأمور اعتبارية وذلك هو الأمر الذي أجازه كثير من أئمة التفسير . جاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى :
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
« 1 » فإن قلت كانوا كافرين بعيسى عليه السلام أعداء له عامدين لقتله يسمّونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
. قلت قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
« 2 » . ويجوز أن يضع اللّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله
لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
« 3 » . فصاحب الكشاف يجيز هنا أن يضع اللّه الذكر الحسن على ألسنة القوم بدلا من
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 157 . ( 2 ) سورة الشعراء ، الآية 27 . ( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 281 ، سورة الزخرف ، الآية 10 .