ويقول أبو تراب النخشبي : " الصوفي لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء " .
فالتصوف باعتباره آدابا تراعى في كل لحظة وطرفة ، وحركة وسكنة ، تنعكس على نفس صاحبها . فتطبعها بطابعها الأخلاقي العام .
بحيث يصبح صفاء في نفسه ، وعالم صفاء فيمن يحيط به . إنه رحب الصدر ، يسع الجميع برحابة صدره على أي أخلاق كانوا من البر أو الفجور . وهو معطاء من ذات نفسه . فهو لا يمنع بره وخيره ونوره من حوله . يشع هدى وصلاحا . وهو لا يبالي من نصيب بخيره من الناس أبرارا كانوا أم فجارا . لأن بره يطغي ويغطى فيعمل في تحويل الناس عن غيهم وفجورهم .
ومن لم يستجب منهم فليس ذلك إليه . وإنما هو إليهم ، وهذا متفق مع قول عائشة رضي اللّه عنها حين قيل لها : أخبرينا عن خلق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟
فقالت : اقرأ من القرآن قول اللّه تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ سورة الأعراف آية : 199 ]
ومن هنا كان المتصوف لا يركن إلى حسن الخلق فحسب ، بل إنه لا يقنع إلا بما هو أحسن .
ولعل كل هذه الأمور ، توضح للباحثين والدارسين ، مدى الجهد في السلوك ، للتخلق بالأخلاق الطيبة . وقد سئل محمد بن علي القصاب أستاذ الجنيد ، عن التصوف ، ما هو ؟ فقال : " اخلاق كريمة ، ظهرت في زمان كريم ، من رجل كريم ، مع قوم كرام " . أي أن التصوف من أهم أسسه العامة : التحلي بالأخلاق الفاضلة ، التي حث عليها الإسلام .
وأخيرا فالتصوف عبارة عن أخلاق ، والأخلاق عنصر لا بد أن يشترك مع كافة العناصر الصوفية ، حتى يمكن أن تتكون منها حقيقة التصوف .
فإذا خلا وقت من أوقات الصوفي ، من هذا العنصر الأخلاقي كان ذلك ضعفا في سلوكه ، وخروجا من مقتضى الطريق الصوفي الذي يلزمه .
وهذه الأخلاق ليست عملا ظاهرا فحسب تتزين بالجوارح ، وتتصور فيه الأعمال ، ولكنه مسألة قلبية ، تظهر آثارها على الجوارح والأعمال . وهذا سبب صعوبتها ومشقتها ، والداعي لاستمرار اليقظة والجهد في معالجتها .
ويذكر العلماء : أن الاتجاه الأخلاقي في تعريف التصوف ، شائع في الشرق ، وفي الغرب ، وهو أيضا شائع في الزمن القديم ، وفي الزمن من الحديث . ومع