وأيضا يقول أبو حفص الحداد : " التصوف كله آداب لكل وقت أدب ، ولكل حالة أدب ، ولكل مقام أدب . فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ، ومن ضيع الآداب ، فهو بعيد من حيث يظن القرب ، ومردود من حيث يرجو القبول "
وحسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " لو خشع قلبه لخشعت جوارحه " .
ويقول الهجويرى : فاعلم أن زينة وحلية جميع الأمور الدينية والدنيوية ، متعلقة بالآداب ، ولكل مقام من مقامات أصناف الخلق أدب .
والكافر والمسلم ، والموحد والملحد ، والسني والمبتدع ، متفقون على أن حسن الأدب في المعاملات طيب ، ولا يثبت أي رسم في العالم بدون استعمال الأدب .
والأدب في الناس : حفظ المروءة ، وفي الدين : حفظ السنة . وفي المحبة :
حفظ الحرمة . وهذه الثلاثة مرتبطة ببعضها البعض ، لأن كل من ليست له مروءة لا يكون متابعا للسنة ، وكل من لا يحفظ السنة لا يرعى الحرمة .
وحفظ الأدب في المعاملة يحصل من تعظيم المطلوب في القلب ، وتعظيم الحق وشعائره في التقوى ، ومن يدنس تعظيم شواهد الحق بلا حرمة ، لا يكن له أي نصيب في طريق التصوف ، ولا يمنع السكر ، والغلبة الطالب من حفظ الآداب بأي حال . لأن الأدب يكون لهم عادة ، والعادة تكون قرين الطبيعة ، وسقوط الطبائع عن الحيوان في أي حال محال ما دامت الحياة قائمة .
فطالما كانت أشخاصهم قائمة فإنهم في كل الأحوال ، تجرى عليهم آداب المتابعة أحيانا بالتكلف ، وأحيانا بدون تكلف .
فحين يكون حالهم الصحو . فإنهم يحفظون الآداب بالتكلف . وعندما يكون حالهم السكر . فإن الحق تعالى يحفظ الأدب عليهم وتارك الأدب لا يكون بأية صفة وليا لأن المودة عند الآداب ، وحسن الآداب صفة الأحباب .
فالتصوف أدب وأخلاق ، في جميع الأوقات ، وفي سائر الأحوال والمقامات .
فمن لم يتحقق بآدابه وأخلاقه باء بالخسران .
يقول الجنيد : " الصوفي كالأرض ، يطرح عليها كل قبيح ، ولا يخرج منها إلا كل مليح " .
عوارف المعارف — صفحة 5
مساهمون: عمر السهروردي
ص٥