وهذا الاتجاه شائع عند الصوفية أنفسهم ، وعند غيرهم من الباحثين في التصوف والمؤرخين .
والجانب الخلقي يسيطر على كثير من التعاريف التي جاءت في التصوف .
يقول أبو بكر الكتاني المتوفي سنة 233 ه : " التصوف خلق . فمن زاد عليك في الخلق ، فقد زاد عليك في الصفاء " .
ويقول أبو محمد الحريري المتوفي سنة 311 ه : " التصوف الدخول في كل خلق سني ، والخروج من كل خلق دني " .
ويذكر أبو الحسين النوري أن : " التصوف ليس رسما ، ولا علما ولو كان علما لحصل بالتعليم ، ولكنه تخلق بأخلاق اللّه ، ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق بعلم أو رسم " .
فهذه التعريفات - كما ترى - وغيرها كثير . تنطق بمعنى الأخلاق ، ويتردد فيها معنى الصفاء . فعماد التصوف تصفية القلب من أوضار المادة ، وقوامه صلة الإنسان بالخالق سبحانه وتعالى .
ومن هذا المنطلق اتجه كثير من الصوفية في تعريفهم للتصوف إلى ملاحظة الجانب الخلقي إدراكا لأهمية تحقيق ذلك الجانب .
والتعريفات التي لا تذكر فيها ألفاظ الأخلاق نصا تئول في نهاية الأمر إلى الناحية الخلقية إن لم تكن بعناصرها كلها ، فبالعناصر الغالبة فيها ، ومن هذا بيان لوجهة نظر الكثير في اعتبار الأخلاق وجها أساسيا من وجوه التصوف ، بل لا تتحقق حقيقة التصوف بغير وجوده ، لا من الناحية النظرية ، ولا من الناحية العملية .
وفي هذا المقام يقول ابن عربي : إن حرص الصوفية بالمجاهدة للوصول إلى مكارم الأخلاق ، لأن بها تتطهر النفوس من أدوائها ، وتتخلص من أمراضها .
ولذلك كان التخلص من شكل الأخلاق المذمومة فرضا عند الصوفية ، لأن الأخلاق المذمومة شكلا كالنجاسة التي تحول بين النفوس وصفائها .
وقد أقر التصوف بهذه الصفة ، واحد من أكبر مفكري السلف ، وهو الإمام ابن قيم الجوزية ، فأنت تراه يقول : " واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم على أن التصوف هو الخلق " .
عوارف المعارف — صفحة 4
مساهمون: عمر السهروردي
ص٤