ومن هذه الشمولية في نفى الرجس نعرف عدم الفرق بين الحالات . فهو منفىّ عن هؤلاء الصفوة قبل البلوغ وبعده ، حال تبليغ الأحكام وغيره ، في العمد والنسيان والجهل ، وذلك لكون المحرّمات الإلهية رجس حقيقة ، غايته أنّ الجاهل بها وبحرمتها يُرفع عنه العقاب واللوم ،
لطفاً من الله سبحانه بهذه الأمّة المرحومة ، لكن حقيقة الرجس لا تتبدّل ولا تتغيّر بعلم الإنسان أو جهله .
فهذه الآية المباركة حيث أكّدت نفى الرجس ، وأثبتت الطهارة المؤكّدة لهؤلاء الصفوة فهي تعبير آخر عن « العصمة » المطلقة ، وفى جميع حالاتهم ، ولا تختصّ بحالة دون أُخرى ، ولا بزمان دون غيره .
مضافاً إلى ما تقدّم من أنّ كلّ حقّ طهارة ، وكلّ رجس ضلال وباطل . فإنّ إذهاب الرجس عن هؤلاء الصفوة يعنى إذهاب كلّ باطل وضلال عنهم ، وإثبات الطهارة لهم يعنى إثبات كلّ حقّ لهم ، في اعتقاداتهم ، وأفعالهم ، وأقوالهم ، وسلوكهم . ومن هنا فهم حقّ متجسّد ، لا يصدر منهم الباطل بأىّ حال من الأحوال ؛ قال عزّ اسمه :
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
« 1 » .
فهو صلّى الله عليه وآله حقّ لا يتطرّق إليه الباطل في جميع تصرّفاته ، وشتّى حالاته .
وحيث كان نفى الرجس وإثبات الطهارة تعبير آخر عن « العصمة » فمن المفيد هنا البحث عن حقيقة العصمة ، والإمكانات العلمية التي زُوّد بها المعصوم ، وقدراته الفائقة في إعمال إرادته نحو الخير والفضيلة .
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 21 .