يوصف باللّطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالعِظَم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكِبَر ، جليل الجلالة لا يوصف بالغِلَظ . قبل كلّ شئ ، فلا يُقال شئ قبله ، وبعد كلّ شئ ، فلا يُقال شئ بعده ، شائى الأشياء لا بهمّة ، درّاك لا بخديعة ، وهو في الأشياء كلّها غير
متمازج بها ولا بائن عنها ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجلِّ لا باستهلال رؤية ، بائن لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسّم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة . لا تحويه الأماكن ، ولا تصحبه الأوقات ، ولا تحدّه الصفات ، ولا تأخذه السِنات ، سبق الأوقاتَ كونه ، والعدمَ وجودُه ، والابتداءَ أزلُه ، بتشعيره المشاعر عُرف أن لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عُرف أن لا جوهر له ، وبمضادّته بين الأشياء عُرف أن لا ضدّ له ، وبمقارنته بين الأشياء عُرف أن لا قرين له ، ضادّ النور بالظلمة ، والجَسْوَ بالبَلل ، والصرد بالحرور ، مؤلّف بين متعادياتها مفرّق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلّفها ، وذلك قوله عزّ وجلّ :
وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( الذاريات : 49 ) ؛
ففرّق بها بين قبل وبعد ليُعلم أن لا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها على أن لا غريزة لمغرّزها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها ، حجب بعضها عن بعض ليُعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه ، كان ربّاً إذ لا مربوب ، وإلهاً إذ لا مألوه ، وعالماً إذ لا معلوم ، وسميعاً إذ لا مسموع .
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 37
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٧