تمهيد
مقدّمة تاريخيّة
القول بأنّ للعالم صانعاً ثمّ القول بأنّه واحد ، من أقدم المسائل الدائرة بين المفكّرين فلاسفة ومتكلّمين وغيرهم ، هداهم إلى ذلك فطرتهم المركوزة فيهم فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ( الروم : 30 ) ، حتّى أنّ الوثنيّة المبنيّة على الشرك ، إذا أمعنّا في حقيقة معناها وجدناها تقوم على أساس توحيد الصانع وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ( لقمان : 25 ) ، وإثبات شفعاء عنده مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ( الزمر : 3 ) وإن انحرفتْ بعدُ عن مجراها ، وآلَ أمرها إلى إعطاء الاستقلال والأصالة لآلهة دون الله .
والفطرة الداعية إلى توحيد الإله وإن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود العظمة والكبرياء ذاتاً وصفةً على ما سيأتي بيانه لاحقاً غير أنّ أُلفة الإنسان وأُنسه في ظرف حياته بالآحاد العدديّة من جانب ، وبلاء المليّين بالوثنيّين والثنويّين وغيرهم لنفى تعدّد الآلهة من جانب آخر ، سجّل عدديّة الوحدة وجعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه .