ولذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديمة واليونان والإسكندرية وغيرهم ممّن بعدهم ، يعطى الوحدة العدديّة ، حتّى
صرّح بها مثل الرئيس أبى علي بن سينا في كتاب الشفاء ، وعلى هذا المجرى يجرى كلام غيره ممّن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبويّة .
وأمّا أهل الكلام من الباحثين ، فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطى أزيد من الوحدة العدديّة أيضاً في عين أنّ هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامّة .
فهذا ما يتحصّل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة .
اختلاف مراتب الناس في فهم التوحيد
لا يرتاب الباحث المتعمّق في المعارف الإلهيّة أنّ مسألة التوحيد من أبعدها غوراً وأصعبها تصوّراً وإدراكاً ، وأعضلها حلًّا ؛ لارتفاع كعبها عن المسائل التي تتناولها الأفهام العامّة ، والقضايا المتداولة التي تألفها النفوس وتعرفها القلوب .
وما هذا شأنه تختلف العقول في إدراكه والتصديق به ؛ للتنوّع الفكري الذي فُطر عليه الإنسان من اختلاف أفراده من جهة البنية الجسميّة وإداء ذلك إلى اختلاف أعضاء الإدراك في أعمالها ، ثمّ تأثيرها في الفهم والتعقّل من حيث الحدّة والبلادة والجودة والرداءة والاستقامة والانحراف .