« التجلّى » كما في قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ . أهمّ خصوصيّة في هذا النحو من التنزيل : أنّ الشئ إذا تنزّل لا يفقد وجوده في العلوّ ولا يفقد مرتبته الحضوريّة فيه ، بعكس ما تقدّم
في التنزّل على نحو التجافي .
يمكن تقريب الحالة بمثال من النشاط العلمي للإنسان ، فإذا ما كانت عند الإنسان فكرة في ذهنه ، ثمّ عمد إلى كتابتها على الورق ، فإنّ هذه الفكرة تنزّلت من مرتبة وجودها في عقل الإنسان وصارت مكتوبة على الورق ، والعقل مرتبة من الوجود ، والورق مرتبة أخرى منه ، وبتعبير آخر : فإنّ الوجود الذهني شئ والوجود الكتبي شىءٌ آخر ، لكن الفكرة عندما تنزّلت من مرتبة إلى أخرى لم يفقد الإنسان علمه بها ، بل هي ما تزال تحافظ على وجودها قبل النزول ، غاية ما هناك أنّها ظهرت في مرتبة أخرى من مراتب الوجود دون أن تفقد مرتبتها السابقة .
طبيعي أنّ للفكرة في مرتبتها الوجوديّة الجديدة أحكامها الخاصّة
بها ، فإنّ الفكرة وهى في الذهن موجود مجرّد غير قابل للنقل والسرقة مثلًا ، لكنّها وهى على الورق تنطبق عليها أحكام المادّة ، فهي قابلة للانتقال والسرقة وما إلى ذلك . فالفكرة هي هي ، وهى غيرها . هي هي لأنّ المضمون واحد ، فما هو موجود في الذهن وما هو على الورق شئ واحد ، بيدَ أنّهما يختلفان في
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 18
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨