الخامسة : أنّ لكلّ شئ قدره الخاصّ به
قرنت الآية النزول بالقدر وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وهو قرن لازم غير جائز الانفكاك ؛ لمكان الحصر ، والباء إمّا للسببيّة أو الآلة أو المصاحبة ، والمآل واحد . فكينونة زيد مثلًا وظهوره بالوجود إنّما هو بما له من القدر المعلوم ، فوجوده محدود لا محالة ، كيف وهو تعالى يقول : أِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُحِيطٌ ( فصلت : 54 ) ؟ ولو لم يكن محدوداً لم يكن محاطاً له تعالى ، فمن المحال أن يحاط بما لا حدّ له ولا نهاية !
وهذا القدر هو الذي بسببه يتعيّن الشئ ويتميّز من غيره ، ففي زيد مثلًا شئ به يتميّز من عمرو وغيره من
أفراد الإنسانيّة ويتميّز من الفرس والبقر والأرض والسماء ، ويجوز لنا به أن نقول : ليس هو بعمرو ولا هو فرس وبقر وأرض وسماء ونحوها ، ولولا ذلك الحدّ والقدر لكان هو هي وارتفع التميّز .
وكذلك ما عنده من القوى والآثار والأعمال محدودة مقدّرة ، فليس إبصاره مثلًا إبصاراً مطلقاً على كلّ حال وفى كلّ زمان وفى كلّ مكان ولكلّ شئ وبكلّ عضو مثلًا ، بل هو إبصار في حال وزمان ومكان خاصّ ولشىء خاصّ وبعضو خاصّ وعلى وفق شرائط خاصّة ، ولو كان إبصاراً مطلقاً لأحاط بكلّ إبصار خاصّ وكان الجميع له ، ونظيره الكلام في سائر ما يعود إليه من خصائص