وقوله : « ترم » أي تأكل . . ، وهذا الحديث مشتمل على فضيلتين :
أحدهما : أن اللّه تعالى لم ينزل داء إلا وله دواء ، وذلك يقتضي حث العزائم وتحريك الهمم على تعلم الطب ، وذلك أنه إذا علم إمكان شفاء كل داء وأن له دواء رغّب الإنسان في العلم به ، فإن حفظ الصحة أشرف المطالب كما تقدم فإن بها يحصل تمام أمر الدين والدنيا .
والوجه الثاني : التنبيه على كثرة منافع هذه الألبان لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « عليكم » المقتضية لتأكيد الحث ، وذلك يدل على أن من هذه الألبان منافع شتى من أمراض شتى ، ولم يقتصر صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك بل علّله بعلة صحيحة وهي قوله : « فإنها ترم من كل الشجر » ؛ لأن الألبان تختلف بحسب اختلاف مرعى حيوانها ، فالمرعى الحار يجعل اللبن حارا ، والبارد يجعل اللبن باردا ، وعلى هذا فقس . . » ، فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ترم » يريد به اختلاف ألبانها باختلاف مرعاها ، وإذا اختلف صحّ القول بنفعها من كثير من الأدواء ، فما أحسن هذا الحكم والتعليل وأوجزه .
ولبن الإبل أرق وأقل دسما وأكثر إسهالا ، ولا يتجبن في المعدة ، وقد ينفع لأصحاب الذرب - يعني الإسهال - عن ضعف الكبد لتفتيحه السدد .
وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذربة بطونهم » « 1 » .
وفيه خاصية لا يشربه الفأر ، فعن أبي هريرة مرفوعا : « إن أمة من بني إسرائيل فقدت أخشى أن تكون الفأر ، وذلك أنها إذا وجدت ألبان الغنم شربته ، وإذا وجدت ألبان الإبل لم تشربه » « 2 » رواه البخاري ومسلم ، فإن اليهود لا يأكلون لحم الإبل ولا يشربون ألبانها .
وأما اللبن الحامض فيضر المعدة لبرده ويبسه ، وينفع الحارة ويهيج الجماع للمحرورين .
وأما اللبأ وهو ما يحلب في وقت الولادة فإنه يرطب البدن ويخصبه ، وهو سريع الاستحالة ويصلحه العسل .
وأما لبن الجاموس ففيه حرارة .
لحم :
قال تعالى :
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ .
« 3 »
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 293 ) ، وفي مجمع الزوائد ( 5 / 88 ) قال : رواه أحمد والطبراني ، وفيه ابن لهيعة .
( 2 ) رواه البخاري ( 3305 ) ، ومسلم ( 3305 ) ، وأحمد ( 2 / 234 ، 279 ، 289 ، 411 ) عن أبي هريرة .
( 3 ) الطور : 22 .