[ الجزء الأول ] حفظ الصحة
اعلم أن أخذ الغذاء في وقت الحاجة سبب لدوام الصحة ، وعلامة الحاجة أن تزكي حاسة الشم ، ويقل الريق في الفم ، ويصبغ البول وتحتد رائحته ، بتزايد الطلب ، فعند ذلك يجب استعمال الغذاء ، والمدافعة به منهكة للبدن مجففة له محرقة لمزاجه ، وكذلك أخذ الغذاء من غير حاجة إليه تورث البلادة والكسل ، وهو أحد الأسباب في حدوث الأمراض .
قال الموفق عبد اللطيف : كان من سنّة أهل الهند أنهم إذا أرادوا تناول الغذاء اغتسلوا ولبسوا الثوب النظيف ، وشمّوا الطّيب ، وأمسكوا عن الحركات وهجروا الرفث « 1 » ، ثم أقبلوا على الطعام .
وسيأتي الكلام على ما تيسر من هذا الكلام .
وما يؤكل في الصيف : البارد ، وفي الشتاء : الحار .
وإدخال الطعام على آخر ردئ ، وكذلك الحركة بعده ، فالحركة قبل الطعام خير كله ، كما أن الحركة بعده شر كله ، وينبغي أن يصلح حارّه ببارده ، وحلوه بحامضه ، ودسمه بمالحه ، وقابضه بدسمه ، وتكثير الألوان يحير الطبيعة ، واللذيذ أحمد لولا الإكثار منه ، وملازمة الطعام يسقط الشهوة ويوجب الكسل ، وكثرة الحامض يسرع الهرم ، وإدمان الحلواء يرخي الشهوة ويحمي البدن ، والمالح يجفف البدن ويهزله ، وينبغي أن يترك الغذاء وفي النفس منه بقية « 2 » . . ، وملازمة الحمية « 3 » تنهك البدن وتهزله ، بل هي في الصحة كالتخليط في المرض ، ومراعاة العادة جيدة إلا أن تكون عادة رديئة فينتقل عنها
هامش
( 1 ) أي الجماع .
( 2 ) في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فاعلا فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » وسنذكر تخريجه في موضعه من الكتاب .
( 3 ) الحمية : الامتناع عن أطعمة وأشربة معينة . . ، وينصح بها المرضى ، فلا يقربون أغذية معينة مما تزيد مرضهم ، وفي مسند أحمد ( 6 / 364 ) ، وسنن أبي داود ( 3856 ) . والترمذي ( 2037 ) والحاكم ( 4 / 204 ) أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منع علي بن أبي طالب من أكل الرطب وهو مريض . . ، والحمية للصحيح مضرة ، وأنفع ما تكون للناقه من المرض ( الذي لم يتم شفاؤه بعد من مرضه ) .