تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطب من الكتاب والسنة — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
قال بعض الحكماء : إن الرحم كان حيوانا مشتاقا ، فإذا انخلط مني الرجل بمني المرأة امتزجا وانطبخا ، وحدث منهما نفاخات بتوسط حرارة الطبخ ، كما يحدث في الأشياء الغليظة المطبوخة ، ثم تجتمع تلك النفاخات حتى تصير نفاخة واحدة ، فيحدث منها تجويف عظيم ، وتجتمع في ذلك التجويف الروح بإذن ربها ، ويصير لظاهر ذلك المني المنتفخ صلابة ويسمى ذلك الوقت : « علقة » ، وعند ذلك يقول الملك الموكل بالرحم : « يا رب ذكرا أو أنثى » « 1 » الحديث . ثم هذه العلقة يتخللها عروق دموية تغذيها وتسمى ذلك الوقت : « مضغة » ، ثم يأذن اللّه الملك الحق سبحانه وتعالى فينفخ فيه الروح ، ثم يؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد كما في الحديث . ثم يحيط به ثلاثة أغشية ، يسمى واحد منها : « المشيمة » يتصل بسرّة الجنين ، تمده بالغذاء ، فإن الجنين في بطن أمه إنما يتغذى من سرته . . ، والثاني : يقبل بول الجنين . . ، والغشاء الثالث : يقبل البخارات التي تصعد من الجنين والتي هي بمنزلة العرق والوسخ في أبدان المستكملين . هذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : وقوله تعالى :
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
« 2 » ، أي : نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
« 3 » أي في ثلاثة أغشية ، فإذا تكامل أجله الذي أجل اللّه له في بطن أمه أذن سبحانه وتعالى لتلك الأغشية الثلاثة فتخرقت وتقطعت ، فحينئذ يعرض للمرأة من الألم والنّصب ونزف الدم الذي هو دم النفاس . واعلم أن الطفل في بطن أمه قاعد ووجهه إلى ظهرها ، فإذا أراد الخروج انقلب أعلاه أسفله ، ولولا ذلك لتشبكت يده في بطن أمه فيموت وتموت الأم ، ولأجل تلك المشاق كانت الميتة في تلك الحالة شهيدة ، كما أخبرنا بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » ، فيخرج إلى دار الأحزان والهموم والغموم ، والخطايا والذنوب ، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فيسخّر له أباه وأمه ، وقد أعد له أطيب الأغذية وأعدلها وأجودها وأنفسها ، ويحنو عليه الغريب والقريب ، ويرحمه من يراه لضعفه ، فيقضي مدة أجله في دار المحن والبليات محفوفا بالسعادات أو مغمورا بالشقاوات ، ومصيره إما إلى جنة وإما إلى نار ، أعاذنا اللّه تعالى منها . فتفكّر أيها الإنسان في مبدئك ومنتهاك وعقباك ، وأسأل العزيز الغفار أن يغفر لك ويعفو عنك ويجتبيك ويرضاك .
هامش
( 1 ) نفس الحديث السابق . ( 2 ) الزمر : 6 . ( 3 ) الزمر : 6 . ( 4 ) تقدم ذكر الحديث وتخريجه وفيه : « والمرأة تموت بجمع شهيدة » .