ومعلوم أن الأطباء قالوا : فيها دواء لبعض الأمراض ، لكن يجوز أن اللّه سلبها منفعتها لما حرّمها ، وأطلع على ذلك نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « هي داء ليست بدواء » « 1 » .
قال الشيخ محي الدين النووي في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تصبّح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر » « 2 » قال : أما فضيلة ذلك فأمر علم بالشرع « 3 » .
قلت : صدق الشيخ محي الدين رحمه اللّه فإن هذا لم يعرفه أحد من الأطباء ولا غيرهم ، ولا نبّه عليه ولا أشار إليه سوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل بعض الأطباء من المتأخرين زعم أن العجوة تنفع من السم البارد . . ، وكذلك سلب منافع الخمرة فيكون بما أطلع اللّه نبيّه دون غيره لمّا حرّمها .
وفي رواية أبي طالب : ذكر لأحمد قول أبي ثور : يتداوى بالخمر ؛ فقال : هذا قول سوء . وكذلك قال أحمد : لا يجوز التداوي بالترياق ، لما فيه من لحوم الحيات والخمر ، قال في رواية المروزي : إذا ألقى فيه لحوم الحيات والخمر فلا أرى أن يشربه ، وكذلك قال في لبن الأتان « 4 » : لا يشرب ولا للضرورة ، وكذلك أبوالها والدلالة عليه ما روى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من تداوى بحلال اللّه كان فيه شفاء ، ومن تداوى بحرام اللّه لم يجعل اللّه له فيه شفاء » « 5 » ، وقد حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحوم الأتن وألبانها يوم خيبر « 6 » .
ويجوز شرب أبوال الإبل للضرورة ، نصّ عليه أحمد وجماعة ، وأما شربها لغير ضرورة فهل يجوز ؟ ؛ الصحيح أنه يجوز لحديث أنس المتقدم « 7 » . ويكره أخذ الأدوية المخدّرّة مثل الداري - وهو حب يشبه الشعير أسود اللون - والبنج وهذان مسكران ، وقد تقدم نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل الضفدع ، وإنما نهى عن قتلها لأنها من جملة السموم ، ولم يرد إعلامه بذلك صلّى اللّه عليه وسلّم كي لا يعلم ويشهر ذلك ، لأن فيها مضارا كثيرة ، منها أن أكل لحمها يسقط الأسنان حتى أسنان البهائم إذا تناولته في المرعى ، ويورم البدن ، ويكمد لونه ، ويحدث قذف المنى حتى يموت الآكل ، والأصغر أشد ضررا ، وقد نهى الأطباء عن استعمالها أشد النهي ، فكيف بمن وصفه اللّه تعالى بأنه
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
« 8 » .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) تقدم تخريجه .
( 3 ) انظر كلام النووي بتمامه في شرحه لصحيح مسلم ( 14 / 2 - 3 ) فهو مهم ومفيد إن شاء اللّه تعالى .
( 4 ) الأتان : أنثى الحمار .
( 5 ) أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي بسند ضعيف [ فيض القدير ( 6 / 100 ) ] .
( 6 ) تقدم تخريجه .
( 7 ) تقدم تخريجه عند الحديث عن اللبن في حرف اللام .
( 8 ) التوبة : 128 .