الاجتهاد ؟ لكي نعرف لما ذا كان هذا وذاك ؟ يجب أن نكوّن انطباعات أوضح وأكثر تحديدا عن هذين الاتجاهين : الاتجاه التجزيئي ، والاتجاه التوحيدي الموضوعي ، وإنما يتضح ذلك بعد أن نشرح بعض أوجه الاختلاف بين الاتجاهين . ويمكن توضيح بعض أوجه الاختلاف بين هذين الاتّجاهين التفسيريين فيما يلي :
أوجه تباين وافتراق
أولا : إن المفسر التجزيئي ، دوره في التفسير على الأغلب سلبي ، فهو يبدأ أولا بتناول النص القرآني المحدد ، آية مثلا ، أو مقطعا قرآنيا ، دون أي افتراضات أو طروحات مسبقة ، ويحاول أن يحدد المدلول القرآني ، على ضوء ما يسعفه به اللفظ ، مع ما يتاح له من القرائن المتصلة والمنفصلة ، ودور النص القرآني في مثل عملية التفسير هذه ، دور المتحدث ، ودور المفسر هو الاصغاء والتفهم ، وهذا ما نسميه بالدور السلبي ، حيث يجلس المفسّر بين يدي النص القرآني ليستمع فقط بينما يكون القرآن ذا دور ايجابي حينئذ ، بذهن مضيء ، بفكر صاف ، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها ، وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره .
وخلافا لذلك المفسر التوحيدي والموضوعي ، فإنه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة ، يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية ، أو الاجتماعية ، أو الكونية ، ويستوعب ما اثارته تجارب الفكر الانساني حول ذلك الموضوع من مشاكل ، وما قدمه الفكر الانساني من حلول ، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ ، ثم يأخذ النص القرآني ، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب ، بل ليطرح بين يدي النص موضوعا جاهزا مشربا بعدد كبير من الافكار والمواقف البشرية ، ويبدأ مع النص القرآني حوارا على شكل سؤال وجواب ، المفسر على ضوء الحصيلة التي جمعها من خلال التجارب البشرية المعرضة للصواب والخطأ يسأل والقرآن يجيب ، يجلس سائلا ومستفهما ومتدبرا ، فيبدأ مع النص القرآني حوارا حول هذا