تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الجزئي ، فالغايات بنفسها محركات للتاريخ ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للانسان ، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات ، وتعود اليه كل تلك الأهداف . فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحا وعاليا وممتدا ، تكون الغايات صالحة وممتدة ، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدودا أو منخفضا ، تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضا . وهذا المثل الأعلى يرتبط ويتحدّد من قبل كل جماعة بشرية ، على أساس وجهة نظرها العامة نحو الكون والحياة ، وكلما كانت الطاقة الروحية والرؤية الفكرية للجماعة البشرية تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة نظرها إلى الحياة والكون كلما تحققت ارادتها للسير في طريق هذا المثل مع ما يتخلله من منعطفات ، وما ينتصب على جانبيه من علامات . وكما أن الحركة التاريخية تتميّز عن أي حركة أخرى في الكون ، بأنها حركة غائية هادفة ، كذلك تتمايز الحركات التاريخية أنفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا . فلكل حركة تاريخية مثلها الأعلى ، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات والأهداف ، وهذه الأهداف والغايات بدورها هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى . والقرآن الكريم يطلق على المثل الأعلى في جملة من الحالات اسم الإله ، باعتبار ان المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجّه ، وهذه صفات يراها القرآن للإله ، لأنه هو الذي يصنع مسار التاريخ . حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
« 1 » ، حيث عبر حتى عن الهوى بأنه إله ، حينما يتصاعد هذا الهوى تصاعدا مصطنعا فيصبح هو المثل الأعلى ، وهو الغاية القصوى لهذا الفرد أو لذاك . فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آلهة في الحقيقة ، لأنها هي المعبودة حقا ، وهي الآمرة والناهية والمحركة حقا ،
هامش
( 1 ) سورة الفرقان الآية / 43 .