تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وتطورها ، فإذا تغير الأساس تغير البناء العلوي ، وإذا بقي الأساس ثابتا ، بقي البناء العلوي ثابتا . فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للانسان والبناء الفوقي للمجتمع ، علاقة تبعية ، ومسبب بسبب ، وهي تمثل سنة تاريخية تقدم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » . هذه الآية واضحة في أن المحتوى الداخلي للانسان ، هو القاعدة والأساس للبناء العلوي ، للحركة التاريخية ، لان الآية الكريمة تتحدث عن تغييرين : أحدهما تغيير أوضاع القوم وأبنيتهم العلوية وظواهرهم :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ
ومن الواضح ان المقصود من تغيير ما بالأنفس ، تغيير ما بأنفس القوم ، بحيث يكون المحتوى الداخلي كقوم وكأمة متغيرا ، والا فإن تغير الفرد الواحد أو الفردين أو الافراد ، لا يشكّل الأساس لتغير ما بالقوم . فالمحتوى النفسي والداخلي للأمة كأمة ، لا لهذا الفرد أو لذلك الفرد ، هو الذي يعتبر أساسا وقاعدة للتغييرات في البناء العلوي للحركة التاريخية كلها . والقرآن الكريم يؤمن بأن العمليتين يجب ان تسيرا جنبا إلى جنب ، عملية صنع الانسان لمحتواه الداخلي ، لفكره وإرادته ، مع البناء الخارجي ، ولا يمكن ان يفترض انفكاك البناء الخارجي عن البناء الداخلي ، الا إذا بقي البناء الخارجي بناء مهزوزا متداعيا . ولهذا سمى الاسلام عملية بناء المحتوى الداخلي إذا اتجهت اتجاها صالحا « بالجهاد الأكبر » تأكيدا منه على قاعدية المحتوى الداخلي . وسمى عملية البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاها صالحا « الجهاد الأصغر » ، وربط الجهاد الأصغر بالجهاد الأكبر ، واعتبر أن الجهاد الأصغر إذا فصل عن الجهاد الأكبر فقد محتواه ومضمونه ، وقدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية .
هامش
( 1 ) سورة الرعد : الآية / 11 .