تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
صورا مختلفة لذلك الخلاف ، في القراءة ، وعلى مستويات متعددة . فمن ميدان الحرب واختلاف الجند إلى ميدان التعليم واختلاف المعلمين وتلاميذهم . ويبدو أن حالات تنازع المسلمين في قراءة كلمات من القرآن قد تكاثرت أخبارها على مسامع الخليفة وكبار الصحابة ، مما جعلهم يفكرون في الوسائل التي يمكن بها تفادي النتائج الخطيرة التي يمكن أن تترتب على مثل ذلك الخلاف . كانت الكوفة التي نزلها الصحابي الجليل عبد اللّه بن مسعود - معلما وفقيها - من أكثر الأمصار الإسلامية التي تشير الروايات إلى وقوع اختلاف في القراءة فيها ، فينقل ابن حجر أن عمر أنكر على ابن مسعود قراءته ( عتى حين ) ، أي ( حتى حين ) وكتب إليه : إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل ، فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل ، وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة « 1 » . ويروي ابن أبي داود « أن ناسا كانوا بالعراق ، يسأل أحدهم عن الآية ، فإذا قرأها قال فإني أكفر بهذه ، ففشا ذلك في الناس ، واختلفوا في القرآن » « 2 » . ورواية الزهري عن أنس بن مالك في نسخ المصاحف - سترد بعد قليل - تشير إلى اختلاف أهل العراق وأهل الشام في القراءة ، وهم في غزوة في بقاع أرمينية وأذربيجان ، مما دفع حذيفة بن اليمان ( ت 36 ه ) إلى التوجه إلى دار الخلافة يدعو إلى وضع حد لذلك الخلاف . ويروي ابن الأثير في الكامل « 3 » : أن حذيفة بن اليمان خرج إلى جهة أذربيجان ومعه سعيد بن العاص ، فلما رجعا قال حذيفة لسعيد : لقد رأيت في سفرتي هذه أمرا لئن ترك الناس ليختلفنّ في القرآن ثم لا يقومون عليه أبدا . قال : وما ذاك ؟ قال : رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، وأنهم أخذوا القراءة عن المقداد ، ورأيت أهل دمشق يقولون إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك ، وأنهم قرءوا على ابن مسعود ، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك ، وأنهم قرءوا على أبي موسى ، ويسمون مصحفه ( لباب القلوب ) . فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذرهم ما يخاف ، فوافقه أصحاب رسول
هامش
( 1 ) فتح الباري ، ج 10 ، ص 402 . ( 2 ) المصاحف ، 23 . وانظر العز بن عبد السلام : الفوائد ، ص 26 . ( 3 ) ج 3 ، ص ( 55 - 56 ) . وانظر ابن خلدون : مج 2 ، ص 1019 .