تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
اليسير على ابن مجاهد أن يختار له قراءة يحملها عنه تلاميذه ، لكنه لم يفعل ذلك وأبى حين طلب منه ، على نحو ما ينقل تلميذه أبو طاهر بن أبي هاشم ( ت 349 ه ) حين يقول « 1 » : « سأل رجل ابن مجاهد لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفا يحمل عليه ؟ فقال : نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا ، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا » . وإذا كان أبو بكر بن مجاهد قد امتنع أن يختار حرفا ينسب إليه فإنه قد عمل على حفظ اختيارات أئمة القراءة ، فاختار من كل مصر من الأمصار قراءة قارئ اشتهر بالحفظ والأمانة ، وأطبق عليه أهل بلده ، فعمل من ذلك كتاب السبعة وقد كان لعمل ابن مجاهد هذا أثره في تاريخ القراءات إلى اليوم ، على نحو ما سنشير إلى ذلك بعد قليل . وتدفع ظاهرة الاختيار إلى البحث عن المسوغات التي تجعل قارئا ما يرجح قراءة معينة من مروياته عن شيوخه ، فالذين اختاروا من القراء إنما قرءوا لجماعة وبروايات ، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار « 2 » ، فالاختيار لا يكون إلا مما رواه الأئمة ، وقد كان عيسى بن عمر الثقفي ( ت 149 ه ) عالما بالنحو غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية يفارق العامة ويستنكرها الناس لذلك « 3 » ، ولعل أهم تلك المسوغات بعد ثبوت الرواية هو موافقة خط المصاحف العثمانية ، خاصة بعد أن صارت هي معتمد الأمة ، فما كان مخالفا للخط خارجا عليه قلّت روايته واتجه أئمة القراء إلى رواية ما وافق الخط والاختيار منه ، يروي ابن مجاهد أن الكسائي قال : السين في ( الصراط ) أسير في كلام العرب ، ولكن أقرأ بالصاد اتبع الكتاب ، الكتاب بالصاد « 4 » ، والمقصود بالكتاب هنا خط المصحف ، وقد جاءت كلمة ( سل ) في قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ( 82 )
[ يوسف ] بالهمز وتركه ، لكن يحيى بن زياد
هامش
( 1 ) الذهبي : معرفة القراء ، ج 1 ، ص 217 . ( 2 ) مكي : الإبانة ، ص 49 . ( 3 ) علم الدين السخاوي : جمال القراء ، ورقة 150 ب . ( 4 ) كتاب السبعة ، ص 107 .