وكان بجانب هذا الاتجاه في مقدار الشكل أو النقط المدور اتجاه آخر يرى ضرورة استيفاء الكلمة نقط كافة حركاتها وما يلحق بذلك من علامات ، وقد بيّن الداني ذلك أوضح بيان بقوله « 1 » : « وإذا كان سبب نقط المصاحف تصحيح القراءة وتحقيق الألفاظ بالحروف حتى يتلقى القرآن على ما نزل من عند اللّه تعالى ، وتلقّي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونقل عن صحابته - رضوان اللّه عليهم - وأدّاه الأئمة - رحمهم اللّه تعالى - فسبيل كل حرف أن يوفّى حقه بالنقط ، مما يستحقه من الحركة ، والسكون والشد والمد والهمز وغير ذلك ، ولا يخص ببعض ذلك دون كله » .
وقد كان لهذا الاتجاه الذي ذكره الداني الغلبة في المصاحف منذ وقت مبكر كما يلاحظ في المصحف الذي كتبه ابن البواب سنة 391 ه والمصحف الذي كتبه أبو القاسم سعيد بن إبراهيم سنة 427 ه . وظل هذا الاتجاه في نقط المصاحف وشكلها ملتزما في المصاحف حتى الوقت الحاضر « 2 » .
أما الاتجاه الذي ذكرناه أولا فقد اختص بالكتابات الأخرى فيما عدا المصحف حيث يندر أن تشكل الكلمة إلا ما قد يلبس ، وظل هذا الاتجاه في الكتب إلى الوقت الحاضر « 3 » ، ولكن علينا أن نتذكر أن كتب اللغة والشعر وما يشبهها كان النساخ يلتزمون فيها اتجاها أقرب إلى الاتجاه السابق حيث تشكل كل كلمة بما تستحق من الشكل ، ويقدم لنا مخطوط قديم لكتاب غريب الحديث لأبي عبيد ( ت 224 ه ) كتب سنة 311 ه نموذجا كامل الشكل إلى درجة مبالغ فيها « 4 » ، ونجد ذلك الإتقان في الشكل أيضا في مخطوط قديم لكتاب سيبويه كتب سنة 351 ه ، ومخطوط لكتاب الأمالي لأبي علي
هامش
الكاتب الأموي ) قال : « . . . الخط بلا نقط ولا إعجام كالأرض الملساء والمنقوط المعجم كالروضة المنورة » .
( 1 ) المحكم ، ص 56 .
( 2 ) انظر نماذج من المصاحف المخطوطة بعد القرن الرابع الهجري في مجموعة موريتز ومصور الخط العربي للأستاذ ناجي زين الدين .
( 3 ) قال صاحب مفتاح السعادة ( ت 962 ه ) ( ج 1 ، ص 81 ) : « إن النقط والإعجام في زماننا واجبان في المصحف ، وأما في غير المصحف فعند خوف اللبس واجب البتة لأنهما ما وضعا إلا لإزالته » .
ونقل هذا القول صاحب كشف الظنون ( ت 1067 ه ) ( مج 1 ، عمود 712 ) .
( 4 ) محفوظ في مكتبة الأزهر ، وانظر نموذجا مصورا منه في مجموعة موريتز ، لوحة ( 119 و 120 ) .