وما يقبل الاتصال منها وما لا يقبله « 1 » ، وكان النظام الذي بلغته الكتابة العربية في وصل الحروف أو الكلمات ثمرة تطور عدة قرون ، وقد استقر على طريقة معينة تقريبا قبل الرسم العثماني بنحو قرن من الزمن على نحو ما نجد ذلك مكتملا في نقش حران ( 568 ب . م ) .
وقد نص علماء العربية أن حق كل كلمة أن تقع مفصولة في الكتاب عما قبلها وما بعدها ليدل كل لفظ على ما وضع له مفردا « 2 » ، فالأصل فصل الكلمة عن الكلمة لأن كل كلمة تدل على معنى غير معنى الكلمة الأخرى ، فكما أن المعنيين متميزان فكذلك اللفظ المعبر عنهما يكون ، وكذلك الخط النائب عن اللفظ يكون متميزا بفصله عن غيره « 3 » . وسبق أن أشرنا إلى أن الحدود الفاصلة بين الكلمات تكاد تختفي في النطق المتصل حتى « أن كثيرا من المقاطع بل ومن مجاميع المقاطع لا نعرف ما إذا كنا نعدها كلمات مستقلة أو أن نصلها بالكلمات المجاورة لها » « 4 » ، ولذلك فإن الكلمات المكونة من مقطع قصير واحد والتي سماها سيبويه ( الكلمات ذات الحرف الواحد ) لا تأتي إلا متصلة بما بعدها أو ما قبلها من كلمة أخرى ، ويعلل ابن درستويه ذلك بقوله « لأن العرب لا تنطق بحرف واحد مفردا ، فتبتدئ به وتقف عليه ، وكذلك يجب أن لا يفرد مثل ذلك في الكتاب اتباعا للفظ إلا أن يكون حرفا من الحروف الستة التي لا تتصل بما بعدها » « 5 » . أما الكلمات المكونة من حرفين بمعنى أنها مكونة من مقطع طويل مفتوح واحد مثل ( في - ما - لا ) ، أو المكونة من مقطع طويل مقفل ( عن - من ) ، فقد جاءت - في أغلب الأحوال - منفصلة عن غيرها في الكتابة ، ومن ثم فإن ملاحظة
هامش
( 1 ) تذكر رواية عربية قديمة ( انظر الفصل التمهيدي ) أن الرجال الطائيين الثلاثة وضعوا حروفا مقطعة وموصولة ، وتذكر رواية أخرى ( انظر ابن عبد ربه : ج 4 ، ص 157 ) أن بني إسماعيل وضعوا الخط متصل الحروف حتى فرقه نبت وهميسع وقيذر ، وهذه روايات غامضة وقد دل البحث التاريخي أن ظاهرة ارتباط الحروف العربية قديمة ترجع إلى الكتابة النبطية المبكرة ( انظر : ص 27 من الفصل التمهيدي ) .
( 2 ) ابن درستويه : ص 22 .
( 3 ) انظر السيوطي : همع الهوامع ، ج 2 ، ص 237 .
( 4 ) فندريس : ص 86 .
( 5 ) كتاب الكتاب ، ص 22 .