بقية أصوات اللغة ، وهذا هو ما أشار إليه ابن جني في قوله « 1 » : « ولو أريد تحقيقها البتة لوجب أن تكتب ألفا على كل حال ، يدل على صحة ذلك أنك إذا أوقعتها موقعا لا يمكن فيه تخفيفها ، ولا تكون إلا محققة ، لم يجز أن تكتب إلا ألفا ، مفتوحة كانت أو مضمومة أو مكسورة ، وذلك إذا وقعت أولا نحو : أخذ وأخذ وإبراهيم . فلما وقعت موقعا لا بد فيه من تحقيقها اجتمع على كتبها ألفا البتة ، وعلى هذا وجدت في بعض المصاحف ( يستهزءون ) بالألف بعد الواو ووجد فيه أيضا وإن من شيأ إلّا يسبّح بحمده [ الإسراء : 44 ] بالألف بعد الياء ، وإنما ذلك لتوكيد التحقيق » .
هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الفراء ( ت 207 ه ) يضع أيدينا على ظاهرة عامة تؤكد هذا الاتجاه في تمثيل الهمزة ، فقد روى في أكثر من موضع أن الهمزة رسمت ألفا ، في كل موضع ، في مصاحف عبد اللّه بن مسعود . وقد قال ، وهو يتحدث عن إثبات الألف في كلمة ( لؤلؤا ) ، في الحج ( 22 / 23 ) « 2 » ، « ورأيتها في مصاحف عبد اللّه ، والتي في الحج خاصة ، ( لؤلأ ) ، ولا تتهجّاه « 3 » ، وذلك أن مصاحفه قد أجرى الهمز فيها بالألف في كل حال ، إن كان ما قبلها مكسورا أو مفتوحا أو غير ذلك » . وقال في موضع آخر وهو يتحدث عن رسم الهمزة في مصاحف عبد اللّه أيضا « 4 » : « والهمزة في كتابه تثبت بالألف في كل نوع » . ويبدو أن رسم الهمزة بالألف دائما ، على ما يروي الفراء ، إنما كان لتمثيل قراءة من يحقق الهمزة ، ولعل بيئة الكوفة في تلك الفترة قد غلبت عليها نزعة القبائل المنتشرة في شرقي الجزيرة العربية التي كانت تحقق الهمزة دائما « 5 » . أو أن ذلك يمثل اتجاها قديما لكتابة الهمزة في تلك المنطقة .
مما يؤكد أن ذلك كان اتجاها عاما في الكتابة العربية في بعض البيئات ، وليس
هامش
( 1 ) سر صناعة الإعراب ، ج 1 ، ص ( 46 - 47 ) .
( 2 ) معاني القرآن ، ج 2 ، ص 220 .
( 3 ) أي لا تراع في النطق هجاء هذه الحروف ، فتقول ( لولا ) بالألف من غير همز ( انظر نفس المصدر ونفس الصفحة هامش 9 ) . وكأن قياس وصف الفراء لرسم الهمزة أن ترسم هذه الكلمة هكذا ( لألأ )
( 4 ) معاني القرآن ، ج 3 ، ص 136 .
( 5 ) انظر د . إبراهيم أنيس : في اللهجات العربية ، ص 60 و 78 .