تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
أما القول بأن ما رسم بالياء من ذوات الياء للفرق بينها وبين ذوات الواو ، وأن ما كتب من ذوات الواو بالألف ليفرق بذلك بينها وبين ذوات الياء - فإنه تعليل لا يجد من الأدلة ما يدفع إلى الأخذ به ، بل يبدو أن هذا المبدأ في تفسير بعض ظواهر الرسم والكتابة العربية لا أصل له ، وأن بعض العلماء قد عجزوا من الوصول إلى تفسير صحيح لبعض ظواهر الرسم أو الزيادة فيه ، فقالوا : إن تلك الظاهرة أو الزيادة جاءت للفرق بينها وبين ما قد يشركها في الصورة « 1 » . أما التعليل الذي يبدو أكثر شمولا للظاهرة وأوضح حجة في الدليل فهو القول بأن ما رسم بالياء من الفتحات الطويلة إنما كان ذلك لقراءته بالإمالة ، التي تقرب الفتحة الطويلة إلى الكسرة الطويلة التي ترسم برمز الياء ، ولكن ليس لدينا ما يثبت أن كتبة المصاحف في عهد عثمان - رضي اللّه عنه - كانوا يتحرون الألفاظ الممالة فيرسمونها بالياء ، والألفاظ غير الممالة فيرسمونها بالألف « 2 » ، بل إنّ هناك من الأدلة ما ينفي أن تكون تلك الفتحات الطويلة قد رسمت ياء بسبب الإمالة « 3 » . فقد ورد - أولا - في كتب النحو والقراءات ما يدل على أن أصحاب الإمالة من القبائل هم تميم وقيس وأسد وعامة أهل نجد « 4 » . ورغم أن أقوال سيبويه توحي أن بعض أهل الحجاز قد يميل ، ( أما العامة فلا يميلون ) « 5 » ، لكن نصوص علماء القراءة وأقوالهم جاءت تؤكد أن الفتح والإمالة لغتان فاشيتان على ألسنة الفصحاء من العرب
هامش
( 1 ) انظر : ص ( 84 - 87 ) من الفصل التمهيدي . ( 2 ) انظر د . عبد الفتاح شلبي : الإمالة ، ص 196 . ( 3 ) يرى المستشرق برجشتراسر ( التطور النحوي ، ص 38 - 39 ) أن الكلمات العربية التي رسمت بالياء أومأ الكتاب بها إلى الإمالة وهو من ثم يستدل بذلك على أن الإمالة كانت معروفة مستعملة عند أهل الحجاز . ولكن سنجد أن الرواية والواقع ينفيان هذه الدعوى . ( 4 ) انظر د . عبد الفتاح شلبي : الإمالة ، ص 75 . ( 5 ) انظر : الكتاب ، ج 2 ، ص 259 ، و 260 ، و 261 ، ويقول ( ج 2 ، ص 263 ) : « واعلم أنه ليس كل من أمال الألفات وافق غيره من العرب ممن يميل ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه فينصب بعض ما يميل صاحبه ، ويميل بعض ما ينصب صاحبه ، وكذلك من كان النصب من لغته لا يوافق غيره ممن ينصب ، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين في الكسر ، فإذا رأيت عربيا كذلك فلا ترينه خلط في لغته ولكن هذا من أمرهم » .