تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
عشرات الأمثلة التي أهمل فيها إثبات الألف « 1 » ، ونحن لا نزال نلمس آثارا من هذه الظاهرة في الهجاء الحديث ، في بضعة كلمات لم يجد الناس ضرورة لتغيير هجائها ، أو أن صورها قد تحجرت على شكلها القديم فلم تعد تستجيب لمحاولات إدخال رمز الألف فيها ، فظلت كذلك على مدى السنين ، من مثل ( لفظ الجلالة ، ومثله : اللهم ، وإله ، وهذا ، وهذه ، وهذان ، وهؤلاء ، وأولئك ، ولكن ) وما أشبه ذلك . ولا أشك في أن الذين شهدوا عصر نسخ المصاحف والسنوات التالية لذلك لم يشعروا تجاه تلك الظاهرة بأية غرابة ، فذلك هجاؤهم الذي اعتادوه ، وتلك طريقتهم في الكتابة ، وإنما وقف عند تلك الظاهرة موقف المتأمل لها والمتعجب منها من عاش بعد الأجيال الإسلامية الأولى ، حين ازداد استعمال الكتابة ، وظهرت الحاجة إلى تعلم العربية من قبل عامة المسلمين ، فذهبت السليقة التي كان يقرأ بها العربيّ النصّ المكتوب بالطريقة القديمة ، وأسرع الكتّاب إلى تعميم الطريقة الكاملة لرسم الكلمات تيسيرا للقراءة ، ومن هنا حدث الافتراق بين الرسم المصحفي والهجاء المستعمل من قبل الكتاب وعامة الناس ، وبدا حينئذ عدم إثبات الألف أمرا غريبا للناس ، عجزوا في الغالب عن إدراك أصوله التاريخية . ولم يكن إثبات الألف أو حذفها في وسط الكلمة يجري دون أساس ما ، فإن تأمل الأمثلة التي جاءت فيها الألف ثابتة في الخط وتلك التي حذفت منها ، يمكن أن يعيننا على لمح ذلك الضابط أو المعيار ، الذي كان يعمل في توجيه تلك الظاهرة ، ويرسم الإطار الواسع الذي تتحرك من خلاله في طريقها إلى الكمال ، ومع ذلك فلا يمكن القول بأن ذلك الضابط كان واضحا تمام الوضوح لدى الكتاب أو أنه كان يعمل بطريقة قاطعة في توجيه الظاهرة ، بل إن من الكلمات ما ظل يتشبث بالصورة القديمة ، دون أن يخضع لهذا المعيار الذي نحاول أن نتبينه من خلال الأمثلة ، ومنها ما تجاوزه وبلغ المرحلة الجديدة قبل أن يبلغها سواها مما يشبهها من الكلمات ، وربما كانت هناك عوامل أخرى تتعلق بطبيعة الحروف التي تتكون منها الكلمة نفسها ، أو بمستوى الكاتب الثقافي ومعرفته بأصول الكتابة ، فكلما كان على إلمام ومعرفة بالكتابة كان أكثر التزاما بصور هجاء الكلمات القديمة .
هامش
( 1 ) انظر د . عبد العزيز الدالي : ص 217 - 218 . ود . صلاح الدين المنجد : ص 121 و 122 .
رسم المصحف — صفحة 256 | غانم قدوري الحمد