أيضا « 1 » : « العرب قد تحذف الياء وتكتفي بكسر ما قبلها منها » .
وكما كان تناسب الفواصل أو رؤوس الآي عند الوقف عاملا في زيادة أصوات على آخر بعض الكلمات مثل ( السبيلا . . . وحسابيه ) ، كان أيضا سببا في حذف أو تقصير أصوات الحركات في أواخر بعض الكلمات في الوقف خاصة ، وقد استجاب لذلك كتبة المصاحف ، فحذفوا رمز الكسرة الطويلة في معظم ما جاء من ذلك في رؤوس الآي ، يقول سيبويه « 2 » : « وجميع ما لا يحذف في الكلام ، وما يختار فيه أن لا يحذف ، يحذف في الفواصل » ثم يقول « وهذا جائز عربي كثير » .
وقد جرى حذف رمز الكسرة الطويلة في الفواصل سواء أكانت علامة للضمير مسبوقة بالنون في الأفعال أم كانت علامة للضمير متصلة بالأسماء أم كانت لاما للكلمة في اسم أو فعل ، فمثال ما كانت فيه علامة للضمير في الأفعال قوله سبحانه :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 )
[ الشعراء ] ، ومما يلفت النظر هنا أن ثلاثا من هذه الآيات قد تضمنت ياءين للضمير ، فما كان من ذلك في حشو الآية فقد ثبت ( خلقني ، يطعمني ، يميتني ) ، وما كان في رأس الآية فقد حذف رمز الياء منه ( يهدين ، يشفين ، يحيين ) ، وفي هذا دليل واضح على أن للوقف على رؤوس الآيات وطلب التناسب فيها أثرا في عدم إثبات رمز الكسرة الطويلة ، ودليل على أن ذلك الحذف إنما هو صدى لسقوطها في النطق ، والأمثلة على هذه الظاهرة كثيرة ، فتأمّل - مثلا - كيف تعاقبت كلمات الفواصل منتهية بالواو والنون في هذه الآيات :
. . . وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) *
. . . هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 ) *
. . . فَارْهَبُونِ ( 40 ) *
. . . فَاتَّقُونِ ( 41 ) *
. . . تَعْلَمُونَ ( 42 ) *
[ البقرة ] ، وتأمل أثر الوقف على الفاصلة في حذف صوت الكسرة الطويلة من اللفظ في
فَارْهَبُونِ *
،
فَاتَّقُونِ *
وأثر ذلك في حذف صورتها من الخط .
وأما أمثلة حذف الكسرة الطويلة التي هي علامة للضمير ، وجاءت متصلة بالأسماء ، بسبب الوقف على الفاصلة فقوله سبحانه :
. . . بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 )
. . . الْوَهَّابِ ( 9 ) *
. . . عِقابِ ( 14 ) *
[ ص ]
هامش
( 1 ) معاني القرآن ، ج 3 ، ص 260 .
( 2 ) الكتاب ، ج 2 ، ص 289 . وانظر أيضا الفرّاء : معاني القرآن ، ج 3 ، ص 260 . وابن يعيش : ج 9 ، ص 78 .