تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
القرآني سوى تمثيل ألفاظ التلاوة التي من خلالها - لا من خلال الرسم - تتجلى معاني القرآن العظيم ، وقد مرت قرون طويلة على كتابة القرآن دون أن ينقل أحد شيئا من تلك المعاني ، حتى جاء المراكشي فكشف عنها بتأمل ذاتي باطني فلسفي غامض متكلف بعيد عن طبيعة الكتابة التي هي وسيلة لتخليد الألفاظ الدالة على المعاني دون أن يكون للكتابة - أصلا - أي دور في تحديد المعنى أو تفصيله أو الإيحاء بمعاني دقيقة عن طريق التصرف في هجاء الكلمات وتحويره . وسبق أن لاحظنا أن الأساس الأول الذي تنبني عليه الكتابة هو الأصوات المسموعة للكلمات ثم تسهم عوامل أخرى - على مر العصور - في إعطاء الكلمات صورا هجائية قد تخالف الملفوظ به جزئيا ، ولكن ليس من بين تلك العوامل ملاحظة تمثيل المعاني الإضافية من خلال تغيير رسم الكلمات بزيادة أو نقص ، فالأساس الذي قام عليه منهج أبي العباس المراكشي في دراسة ظواهر الرسم أساس مردود ، وإذا انتقض الأساس انتقض سائر ما بني عليه ، إلى جانب أن تلك التعليلات التي يوردها لاختلاف صور هجاء بعض الكلمات توقع في أحيان كثيرة في تناقض حاد ، فإذا سلمنا - مثلا - بأن علّة حذف الواو في
وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ
سرعة وقوع الفعل ، فهل يدل إثبات الواو في
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ( 39 )
[ الرعد ] على التراخي في المحو والإثبات ؟ إلى غير ذلك من الأمثلة « 1 » . ثم إن ما يذهب إليه المراكشي من أن حذف رموز حروف المد وإثباتها يناسب أحوال الوجود ، فإذا حذفت فذلك لمعنى باطن في الوجود ، وإذا ظهرت فلمعنى ظاهر في الوجود إلى الإدراك ، ينفيه ما تم كشفه من تاريخ استخدام رموز الحركات الطويلة في الكتابة العربية خاصة ، والكتابات السامية عامة ، فلم يكن منهج أبي العباس المراكشي - إذن - قائما على أساس من حقائق العلم ومعرفة التاريخ بل إن كل ما قاله هو نتيجة تأمل ذاتي غامض ، عبر عنه بمصطلحات صوفية وفلسفية ومنطقية هي الأخرى غامضة ، وأن نتيجة واحدة صحيحة يقود إليها الدليل العلمي الواضح خير وأجدى في فهم المشكلة من كل ما قاله المراكشي ورددته من ورائه أجيال من العلماء والدارسين .

4 - تفسير الزيادة والحذف باحتمال القراءات :

ذهب بعض الباحثين إلى أن المصحف العثماني كتب ليشتمل على الأحرف السبعة أو
هامش
( 1 ) انظر محمد طاهر الكردي : تاريخ القرآن ، ص 176 وما بعدها .
رسم المصحف — صفحة 192 | غانم قدوري الحمد