المراكشي على النحو الذي رأينا طرفا منه في تعليل الأمثلة المتقدمة ، وقد نقل الزركشي - بنفس الأسلوب - تعليل حذف النون في الفعل
يَكُ *
في قوله تعالى :
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً ( 37 )
[ القيامة ] ، وكتابة الألف واوا في مثل
بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ *
، وكتابة تاء التأنيث مبسوطة في بعض الكلمات . وما جاء من الكلمات موصولا في بعض المواضع ومفصولا في أخرى « 1 » . وختم الزركشي الموضوع بفصل في حروف متقاربة تختلف في اللفظ لاختلاف المعنى مثل
وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ( 247 )
[ البقرة ] ،
وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ( 69 )
[ الأعراف ] و
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ( 26 ) *
[ الرعد ] ،
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ ( 245 )
[ البقرة ] ، فبالسين السعة الجزئية ، كذلك علة التقييد ، وبالصاد السعة الكلية بدليل علو معنى الإطلاق ، وعلو الصاد مع الجهارة والإطباق « 2 » .
وقبل مناقشة هذا الاتجاه نشير إلى أن أبا العباس المراكشي كان ذا ميل شديد إلى العلوم الرياضية والعقلية يتجلى ذلك في مؤلفاته الكثيرة في الفلسفة والمنطق والفلك والأصول ، ثم إنه ذو اتجاه صوفي وجداني دفعه إلى الانقطاع مدة عن أكل ما فيه روح ، وأصيب بحالة عصبية فحجب في بيته سنة وتعافى « 3 » ولا نريد من هذا البيان الموجز إلا الإشارة إلى نواحي شخصيته وثقافته ونزعته إلى الاستبطان والتأمل الذاتي ، ولا شك في أنه من خلال ثقافته وشخصيته تلك استطاع أن يصل إلى ذلك التفسير الباطني لظواهر الرسم .
ورغم الصورة المنطقية التي يعرض فيها المراكشي مذهبه فإن هذا الاتجاه بعيد كل البعد عن طبيعة الموضوع ، فلم يدر في خلد الصحابة - رضوان اللّه عليهم - شيء من تلك المعاني التي يحاول أبو العباس المراكشي أن يعلل بها رسم الكلمات في المصحف في صورة فلسفية باطنية « 4 » ، فقد كانوا مشغولين بمعاني القرآن الناصعة وآياته المحكمة عن تلك المعاني الفلسفية الباطنية الغامضة البعيدة عن روح الوضوح واليسر ، والتي يحتاج فهمها إلى لون معين من ألوان الثقافة ، ولم يكن الهدف الأول لتسجيل النص
هامش
( 1 ) انظر : ج 1 ، ص 407 ، وص 409 و 410 وص ( 417 - 423 ) .
( 2 ) انظر : ج 1 ، ص ( 429 - 430 ) .
( 3 ) انظر : الزركلي ، ج 1 ، ص ( 213 - 214 ) .
( 4 ) انظر د . رمضان عبد التواب : ص 157 .