المصحف العثماني قد أحرقت منذ خلافة عثمان ، وتلقت الأمة ذلك الترتيب المشهور بالقبول . فكل حديث - بعد ذلك - عن ترتيب السور في مصاحف الصحابة ضرب من الحدس يفتقد الدليل وتعوزه الحجة والنقل الصحيح .
والعلماء مجمعون على أن ترتيب الآيات في السور كان يتم بأمر من النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول السيوطي « 1 » : « الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي ، لا شبهة في ذلك . . » . أما ترتيب السور في المصحف فقد اختلفوا في كونه توقيفا عن النبي أو اجتهادا من الصحابة . وجمهور العلماء - كما يقول السيوطي - على الثاني « 2 » . لكن الأدلة على ذلك تبقى ظنية ، ويظل احتمال معرفة الصحابة لهذا الترتيب من النبي صلى اللّه عليه وسلم هو الأرجح ، خاصة أن الأحاديث الواردة في قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاءت على أنه رتبها في الصلاة على نحو ما هي مرتبة الآن « 3 » . ومن ثم ليس هناك دليل - على ما يبدو - للقول بأن جمع الصديق للقرآن لم يكن مرتب السور ، خاصة أنه قد عرف أن الصديق كان أول من جمع القرآن بين اللوحين - وهي تسمية تدل على أنه كان مرتبا - ولا دليل في تسمية جمعه بالصحف على أنها لم تكن مرتبة السور حتى رتبها الصحابة حين نسخوا المصاحف في خلافة عثمان « 4 » .
خامسا : عدد المصاحف ، وتاريخ النسخ :
وتشير رواية الزهري عن أنس - السالفة - إلى أنه بعد أن أنجز زيد والجماعة الذين عملوا معه نسخ الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة « 5 » . وأرسل إلى
هامش
( 1 ) الإتقان ، ج 1 ، ص 172 .
( 2 ) نفس المصدر ، ج 1 ، ص 176 .
( 3 ) العز بن عبد السلام : الفوائد ، ص 26 . وانظر في هذا الموضوع : الباقلاني : ص 81 . وابن عطية :
275 . والقرطبي : ج 1 ، ص 60 . والزركشي : ج 1 ، ص 236 . وابن حجر : ج 10 ، ص 389 و 415 . والسيوطي : الإتقان ، ج 1 ، ص 172 وما بعدها . والقسطلاني : ج 1 ، ص 30 .
( 4 ) انظر ابن حجر : ج 10 ، ص 393 . والقسطلاني : ج 1 ، ص 59 .
( 5 ) روي أن عبد اللّه بن عمر قبض الصحيفة بعد موت حفصة ، فعزم عليه مروان وإلي المدينة فأخذها منه وأتلفها أو أحرقها مخافة أن يكون فيها خلاف ما في نسخ عثمان فيقع الاختلاف ( انظر ابن أبي داود ، ص 21 . ومكي : الإبانة ، ص 26 ) .