تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
المبحث إيضاح علاقة هذا الموضوع بنظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق من خلال النصوص التي تركها أصحاب دراسات علوم القرآن ونشير ابتداء إلى أنّ مسألة النسخ تتّصل بموضوع معالجة النص للواقع وتفاعله معه من جهة ، وكذلك تتصل بمسألة انسجام الخطاب من جهة أخرى . فنرى أبا محمّد مكّي بن أبي طالب ( المتوفّى سنة 437 ه ) يحاول جاهدا الخروج من مسألة شائكة ، وهي أنّ حدوث النسخ يناقض أنّ القرآن محفوظ حفظا أزليّا في اللوح المحفوظ . وبعد أن يقرّر أنّ هذا التعديل والتبديل والنسخ إنّما هو مكتوب في علم اللّه . وأنّ اللّه يحدّد أوقات التعديل وكيفيّة . في علمه سبحانه ، ثمّ يخرج بعد هذا إلى توضيح وظيفة النسخ ، وهي في رأينا توضح علاقة النصّ بالسياق الخارجي ، وبالذات علاقة النصّ بالمخاطبين يقول : " . . . وذلك منه تعالى لما فيه من الصلاح لعباده ، فهو يأمرهم بأمر في وقت لما فيه من صلاحهم في ذلك الوقت ، وقد علم أنّه يزيلهم عن ذلك في وقت آخر لما علم فيه من صلاحهم في ذلك الوقت الثاني ( . . . ) فأتى كلّ رسول قومه بشرع شرعه اللّه مخالف لشرع من كان قبله من الرسل
" لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً "
. وذلك منه تعبّد واختيار وابتلاء للطائع والعاصي ، وكلام اللّه واحد لا اختلاف فيه ، وإنّما الاختلاف في المأمور به في وقتين متقدّمين في علم اللّه قبل علم كل مخلوق . . . . . ولأجل ما أراد اللّه من النسخ للرفق بعباده ، والصلاح لهم أنزل القرآن شيئا بعد شيء ، ولم ينزله جملة واحدة لأنّه لو نزل جملة واحدة لم يجز أن يكون فيه ناسخ ولا منسوخ ، إذ غير جائز ، أن يقول في وقت واحد افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا لذلك الشيء بعينه " « 1 » . إنّ هذا النصّ يعالج قضيّة اتّساق النصّ مع المقام ( السياق المقامي ) فليس معقولا أن يتنزّل الأمر وضدّه في آن واحد فكيف يستجيب المخاطبون في هذه الحالة ؟ ثمّ إنّ النصّ كان يتشكّل مع تطوّر الواقع وتفاعل المخاطبين من جانب آخر ، ومع هذا التنزّل وفق
هامش
( 1 ) مكّي بن أبي طالب القيسي ، الإيضاح ، ص ( 55 - 56 ) .