تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
وفي شرط آخر من شروط النسخ يذكر مكّي بن أبي طالب من شروط الناسخ أن يكون منفصلا من المنسوخ ، منقطعا عنه ، فإن كان متّصلا به غير منقطع عنه لم يكن ناسخا لما قبله ممّا هو متّصل به " « 1 » . وهاهنا تأكيدا آخر على اتّساق الخطاب وانسجامه ، فوجود التناقض يفسد انسجام الخطاب ويفسد تناسقه ، لتغاير الخطاب أو النصّ مع الحقيقة الواقعة خارجه من جهة ، ولوجود تعارض بين بعض مكوّنات النص الدلالية ، وهذا ممّا يفسد ( النصيّة ) . وقد ناقش د . نصر حامد أبو زيد مسألة النسخ في كتابه ( مفهوم النصّ ) وينطلق من معنى النسخ ويحدّده بأنّه إبدال نصّ بنص مع بقاء النصّين ، وعلى ذلك يصعب تقبّل كثير من النصوص والأنواع التي يوردها العلماء داخل قضيّة الناسخ والمنسوخ ، ثمّ بعد ذلك يعرّج على وظيفة النسخ وهي التدرّج في التشريع خطوة خطوة ، فالقرآن وحي انطلق من حدود الواقع ، ولا بدّ أن يراعي في نصوصه هذا الواقع ، وقد قارب العلماء القدماء هذا الفهم وعبّروا عنه بلغة عصرهم . ويرى أنّه لا يجوز إغفال البعد الآخر للنّص وهو الواقع والمتلقّون ، ذلك أنّ الأحكام الشرعيّة أحكام خاصّة بالبشر في حركتهم داخل المجتمع ، ويرى أنّ كثيرا من علماء القرآن قد غالوا في النماذج التي عدّوها من الناسخ والمنسوخ ، وخلطوا في ذلك بين أدوات التخصيص اللّغوي داخل الآية الواحدة ، وبين تغيير الحكم لتغيّر الظروف والملابسات . ثمّ يتناول عددا من الأمثلة يعدّها بعض علماء القرآن من المنسوخ ، ويوضح من خلال سياقها أنّها آيات محكمة ، وأنّ المقصود بها خلاف ما فهمه أولئك . ويعالج أبو زيد مسألة أنماط النسخ ، ومنها نسخ نصوص من القرآن بنصوص من السنة ، ويذكر خلاف العلماء حول هذه المسألة ، ويرى أنّ موقف الشافعي « 9 » هو أقرب
هامش
( 1 ) مكي بن أبي طالب ، الإيضاح ، ج 1 / 59 . ( 9 ) يقول الشافعي : " حيث وقع نسخ القرآن بالسنّة فمعها قرآن عاضد لها ، وحيث وقع نسخ السنّة بالقرآن فمعه سنّة عاضدة ليتبيّن توافق القرآن والسنّة " ، الرسالة ، الشافعي ، ص 141 .