تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
حين نزل قوله تعالى :
" سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ "
« 1 » قال : أيّ جمع ؟ فلمّا كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في آثارهم مصلتا بالسيف يقول : " سيهزم الجمع ويولّون الدبر " ، فكانت ليوم بدر " « 2 » . ولكنّ سياق الآية في سورتها يكشف أنّها تتضمّن مقارنة بين آل فرعون وبين مشركي مكّة ، وهي مقارنة يمكن تلمّسها من انتقال النصّ من قصّة آل فرعون إلى تهديد أهل مكّة .
" وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ، كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ، فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ . أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ . أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ . سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ "
« 3 » . وهو انتقال ينكشف من خلال الالتفات المتكرّر من الغيبة إلى خطاب المؤمنين إلى خطاب الكفّار ثمّ إلى الغيبة مرة أخرى ، في حركة سريعة ، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ التوعّد بصيغة الاستقبال ( السين ) ثمّ الإضراب باستخدام ( بل ) والحديث عن الساعة يكشف عن ( سياق النصّ ) أو مناسبة النزول « 4 » . والنصّ كذلك يكشف عن الصراع المستمر بين المؤمنين والكافرين وهو صراع كانت الغلبة فيه للكفّار في المرحلة المكيّة ، ولذلك نجد النصّ يتوعّد ، ونجد هذا الوعيد قد تحوّل في سياق حركة الواقع مع إعادة قراءته ومع إعادة الاستشهاد به في سياق جديد إلى نوع من البشارة . لكنّ هذا التحوّل نوع من توسيع دلالة النصّ باتّساع أفق القراءة . وليس سبب نزول جديد متأخّر عن وقت نزول الآية . وهذا يفضي بنا إلى فهم جدليّة علاقة النصّ بواقعه ، وإعادة قراءته مرّة أخرى مع تطور وعي الجماعة التي تتعامل مع هذا النصّ . والنصوص الإبداعيّة العظيمة تملك إمكانيّات مفتوحة دائما للتعبير عن وقائع جديدة ، لكنّ عمليّة استخراج هذه الدلالات الجديدة من النصوص في ضوء القراءات
هامش
( 1 ) سورة القمر ، الآية ( 45 ) . ( 2 ) السيوطي ، الإتقان ، 1 / 36 . ( 3 ) سورة القمر ، الآيات ( 41 - 44 ) . ( 4 ) نصر حامد أبو زيد ، مفهوم النص ، ص 94 .