خصائص أسلوبيّة فارقة إلى جانب المعايير السابقة ، ويذكر علماء القرآن في هذا أنّ للآيات المكيّة خصائص ليست للآيات المدنية في وقعها ومعانيها . فظروف المخاطبين مختلفة ، ففي الفترة المكّية " كان القوم في جاهليّة تعمي وتصمّ ، يعبدون الأوثان ، ويشركون باللّه وينكرون الوحي و . . . ولذا فنجد في مكّي القرآن ألفاظا شديدة القمع على المسامع ، تقذف حروفها شرر الوعيد ، وألسنة العذاب ، ف ( كلّا ) الرادعة الزاجرة ، والصاخّة و . . . . وكل هذا نجده في خصائص القرآن المكّي ، وحين تكوّنت الجماعة المؤمنة باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشرّه ، وامتحنت في عقيدتها بأذى المشركين ، فصبرت وهاجرت بدينها مؤثرة ما عند اللّه على متاع الحياة . وحين تكوّنت هذه الجماعة نرى الآيات المدنيّة طويلة المقاطع ، تتناول أحكام الإسلام ، وحدوده ، وتدعو إلى . . . . . وهذا هو الطابع العام القرآن المدني " « 1 » .
ويعلّل علماء القرآن خصيصة طول الآيات المدنيّة إذا قورنت بقصر الآيات المكيّة بانتقال الدعوة من مرحلة الإنذار إلى مرحلة الرسالة ، أي من واقع اجتماعي إلى واقع اجتماعي آخر ؛ فالإنذار يعتمد على التأثير الذي يعتمد بدوره على لغة ذات أسلوب مركّز وموقّع ، وهو أسلوب طاغ في قصار السور بصفة عامّة ، وكلّها سور مكيّة ، ولكنّ الرسالة من جهة أخرى تخاطب المتلقّي وتنقل إليه محتوى أوسع من مجرّد التأثير ، وهي من ثمّ تحتاج لغة مختلفة على مستوى التركيب والبناء . في الرسالة يغلب جانب نقل المعلومات على جانب التأثير ، وإن كان لا يلغيه الغاء تاما ، وفي الإنذار تكون الأولويّة للتأثير ، ويقلّ جانب تدفّق المعلومات .
وإنّ معرفة ( المكّي والمدني ) و ( سبب النزول ) مع دراسة النصّ دراسة داخليّة ( أسلوب النصّ ومضمونه . . . ) تضمن تحليلا دقيقا للخطاب وتجعله قابلا للتمايز ، وعدم الخلط بين مناسبة النزول وبين سياق آخر يعاد فيه الاستشهاد بالنص مرة أخرى ، فيظنّ الراوي أنّ النصّ نزل سابقا على سببه ، ومثال ذلك ما يرويه السيوطي أنّ عمر بن الخطاب
هامش
( 1 ) منّاع القطان ، مباحث في علوم القرآن ص : ( 53 - 53 ) .