تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
داخل النصّ ذاته ، فذهبوا مثلا إلى أن " كلّ سورة فيها
( يا أَيُّهَا النَّاسُ )
وليس ( يل أيّها الذين آمنوا ) فهي مكيّة . وهذا المعيار المضموني أيضا له صلة بالواقع الاجتماعي كما نرى فيبرز فيه عنصر مراعاة المخاطب مرتبطا بالعنصر الدلالي والتعبيري داخل النصّ ، وكلّ سورة فيها ( كلّا ) فهي مكيّة ، وحكمة ذلك " أنّ نصف القرآن حسب ترتيب التلاوة وحسب ترتيب النزول نزل أكثره بمكّة ، وأكثرها جبابرة ، فتكرّرت فيه ( كلّا ) على وجه التهديد والتعنيف لهم ، والإنكار عليهم بخلاف الصنف الأول " « 1 » . ويبرز في هذا المعيار المضموني أيضا ، عنصر مراعاة المخاطب ، والتكيّف مع الظرف الاجتماعي ، وأثر ذلك في أسلوب الخطاب . ويذكر علماء القرآن أيضا أنّ كلّ سورة فيها ذكر المنافقين هي مدنيّة سوى العنكبوت ، وهنا تبرز مراعاة ظروف التخاطب والمخاطبين كذلك ، وأثرها في المستوى المعجمي والدلالي للنصّ ، وكلّ سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنيّة ، وفي هذا مراعاة للوضع النفسي والاعتقادي للمخاطب ومراعاة الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة أيضا فالحدود لا تطبّق إلّا بوجود دولة إسلاميّة . وهذا العامل يجد أثره واضحا في مضمون الخطاب وموضوعه ، بل وفي بنيته الكليّة بتعبير ( ديك ) . وليست هذه الخصائص جامعة مانعة كما أدرك العلماء أنفسهم ، بل هي خصائص وصفات على التغليب فإنّ سورة النساء مدنيّة وفيها
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ )
، وإذا كان معيار المضمون كما هو الحال في معيار المكان معيارا غير حاسم . فذلك لأنّ المدخل الفقهي يفترض وجود تمايز واضح حادّ يمكن تلمّسه والدلالة عليه في التفريق بين المكّي والمدني . وهذا غير ممكن ؛ لأنّ المرحلتين المدنية والمكية متداخلتان تداخلا واضحا ، ولذا تظل مسألة التفريق بين المكّي والمدني في النصّ تفرقة تقوم على خصائص عامّة ولكنّها ليست حاسمة ، ويمكن الاستعانة هنا بالمعيار الزماني جنبا إلى جنب مع المعيار المكاني والموضوعي ، وإضافة معيار جديد هو معيار الأسلوب ، أي محاولة البحث عن
هامش
( 1 ) السيوطي ، الإتقان / 1 / 67 .
الخطاب القرآني — صفحة 93 | خلود العموش