باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم ، وأحوال بيئتهم ، و . . . . تتلاءم طرائق الخطاب بما يلائم نفسيّة المخاطب " « 1 » . كما أنّه " عماد قويّ في تاريخ التشريع يستند إليه الباحث في معرفة التدرّج في الأحكام والتكاليف " « 2 » .
وحين فرّق العلماء بين المكّي والمدنيّ اعتمدوا غالبا على المعيار المكاني ، ولمّا كان مكان الاتّصال / الوحي مرهونا دائما بمكان المتلقّي الأوّل للوحي ، الذي هاجر من مكّة إلى المدينة ، ثمّ عاد إلى مكّة فاتحا ، وأخذ يتردّد عليها بعد ذلك زائرا أو حاجّا ، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ المكّي ما نزل بمكّة ولو بعد الهجرة ، والمدني ما نزل بالمدينة ، وفرّقوا بين السفري والحضري ، والسمائي والأرضي « 3 » . . . . وكلّ هذه التقسيمات تستند إلى معيار المكان دون نظر إلى النصّ من حيث المضمون أو من حيث الشكل ، وثمّة معيار آخر للتفرقة بين المكّي والمدنيّ هو معيار المخاطبين بالنصّ على التغليب في كلّ مرحلة من المرحلتين ؛ فالمكّي ما وقع خطابا لأهل مكّة ، ولو نزل بالمدينة ، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة ولو نزل بمكّة ، وثمّة معيار زماني ، فما وقع قبل الهجرة يعدّ مكيّا ولو نزل في المدينة ، وما وقع بعد الهجرة يعدّ مدنيّا ولو نزل في مكّة .
ويقترح د . حامد نصر أبو زيد أن يكون معيار التصنيف مستندا إلى الواقع من جهة ، وإلى النصّ من جهة أخرى . إلى الواقع لأنّ حركة النصّ ارتبطت بحركته ، وإلى النصّ من حيث مضمونه وبناؤه ؛ ذلك أنّ حركة النصّ في الواقع تنطبع آثارها في جانبي النصّ . ولذا فمعيار التصنيف هو التفرقة بين مرحلتين تاريخيّتين تفصل بينهما الهجرة ؛ فالمكّي ما نزل قبل الهجرة ، والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بمكّة أم بالمدينة « 4 » . ودليل صحّة هذا المعيار ( ارتباط النصّ بحركة الواقع ) أنّ علماء الإسلام حين كان يلتبس عليهم إيجاد دليل حاسم على مكان نزول الآيات كانوا يلجئون إلى بعض المعايير المضمونيّة
هامش
( 1 ) منّاع القطان ، مباحث في علوم القرآن ، ص : ( 59 - 60 ) .
( 2 ) نفسه ، ص : 51 .
( 3 ) انظر الإتقان للسيوطي ، والبرهان في علوم القرآن للزركشي ، باب أسباب النزول والمكي والمدني .
( 4 ) نصر حامد أبو زيد ، مفهوم النصّ ، ص 92 .